من طالب لا يُعتد به إلى مستشار لترامب.. كيف صعد جورج بابادوبولوس المتهم في ملف التدخل الروسي؟

من طالب لا يُعتد به إلى مستشار لترامب.. كيف صعد جورج بابادوبولوس المتهم في ملف التدخل الروسي؟

المصدر: عُلا عبدالله- إرم نيوز

عبارة واحدة يمكنها تلخيص رحلة صعود جورج بابادوبولوس، المستشار السابق للحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هي ”من لا شيء إلى كل شيء“.

لم يكن بابادوبولوس، البالغ من العمر 30 عامًا، شخصًا مهمًا في أي من مراحل حياته إلى حد كبير، فلا يتذكره زملاؤه في المرحلة الثانوية، ولا يعتبره أساتذته في الجامعة متفوقًا، بل كان طالبًا أقل من المتوسط، بل حتى أقرانه بحملة ترامب في واشنطن كانوا يرونه كشخص لا يعتد به، ولكنه رغم ذلك أصبح مساعدًا للحملة، ثم مستشارًا لترامب، وفقًا لصحيفة ”ديلي بيست“ الأمريكية.

وأدين بابادوبولوس مؤخرًا بتهمة الكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف. بي.اي) بشأن اتصالاته مع الروس خلال الحملة الانتخابية الرئاسية 2016، والتي مثلت نقطة انطلاقه إلى عالم السياسة.

صورة رمزية لعصر ترامب

يمكن اعتبار بابادوبولوس، الشاب الأمريكي ذو الأصول اليونانية، صورة رمزية لعصر ترامب، فهو شخص له صلات ضئيلة (إن وجدت أساسًا) بدوائر صنع القرار، استطاع أن يصل بها لمستويات كبيرة  داخل الإدارة الأمريكية من خلال الترويج لنفسه وانتهاز المواقف والتوقيتات، فلا شك أن مثل هذا الشخص كفيل بإسقاط رئاسة ترامب.

ولم يكن هذا الشاب، الذي ترعرع وسط الجالية اليونانية في  لينكولنوود على حدود شيكاغو، معروفًا في مدرسته الثانوية ”نايلز ويست“ في سكوكي، والتي تخرج منها العام 2005.

 وبعد تواصل صحيفة ”ديلي بيست“ مع عشرات من أقرانه في نفس دفعته، أكدوا جميعًا عدم تذكرهم إياه، وبسؤال أحدهم ويدعى ديفيد سالمانسون، رد قائلًا: ”ربما سمعت هذا الاسم من قبل، إذ كان يدرس معنا كثيرون من الجالية اليونانية، ولكن عندما شاهدت الأخبار وعرفت أنه أصبح مستشارًا لحملة الرئيس، نظرت في الكتاب السنوي للمدرسة، ووجدت صورته، فلقد كان مختلفًا كثيرًا عن الآن“.

مستوى أكاديمي غير لافت

انتقل بابادوبولوس من ”نايلز ويست“ إلى جامعة ديباول، وهو مكان آخر لا يتذكره فيه سوى عدد قليل، إذ إن مستواه الأكاديمي كان غير لافت ولم يستحوذ على اهتمام أي من أساتذته، فوفقًا لرأي أستاذه للعلوم السياسية الروسية ريتشارد فاركاس، فإن ”بابادوبولوس كان يفتقر للخبرة والمشاركة، فعلى الرغم من أن كثيرًا من الشباب يسعون لصقل خبراتهم قبيل الانضمام للحملات الانتخابية، فإنه لم يفعل ذلك، فلقد كان حديث الجامعة لكيفية قبوله في هذه المهمة، فطوال 5 سنوات جامعية لم يكن طالبًا مؤثرًا، بل كان شخصًا غير مرئي حتى لأقرانه“.

وفي الجامعة، بدت قصة اهتمام بابادوبولوس بدراسة السياسة الخارجية، بالتركيز على السياسة الروسية، فحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية، ثم شق بعد ذلك طريقه إلى العاصمة واشنطن، حيث شارك مع غيره من الشباب في ندوات وتجمعات سياسية، كما حضر فعاليات للجنة شباب الحزب الجمهوري في العاصمة، وكان يتفاخر بآرائه السياسية.

ووفقًا لأحد معارفه، كان بابادوبولوس مؤيدًا لإسرائيل، ويعارض سياسات إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إزاء الشرق الأوسط، بل كان يقول، في بعض الأحيان، إنه لا يستطيع تصديق ما يفعله الرئيس أوباما وفريقه، ومع الوقت قدم هذا الشاب نفسه كمستشار طموح مهتم بسياسة النفط والغاز الطبيعي.

وخلال عامي 2012 و 2013، أتاحت الأجواء السياسية في البلاد فرصة لصعوده لبناء علاقات مع دوائر صنع السياسة الخارجية من ذوي التوجه المحافظ، ثم قدمت الانتخابات الرئاسية فرصة من ذهب لبابادوبولوس حرص على الاستفادة منها، فلقد كان في الـ 28 من عمره عندما خطط لإلحاق الهزيمة بالحملة الانتخابية للمنافس الرئاسي بن كارسون، وبعد فترة وجيزة مع كارسون، وجد بابادوبولوس طريقه إلى دائرة ترامب ليعيش مزيجًا من الحظ والإحباط السياسي، فحسب مسؤولي حملة  ترامب، فإن بابادوبولوس لم يكن لاعبًا رئيسيًا، إذا كان مجرد ”طفل“ أو ”رجل مخادع“ يسعى لأن يكون شخصًا آخرَ غير ذاته.

 ولا يزال بابادوبولوس على صلة بشخصيات رفيعة المستوى قريبة من الرئيس مثل المدعي العام  جيف سيسيونس، كما أثبتت رسائله الإلكترونية علاقاته مع اثنين من كبار مستشاري ترامب، هما بول مانافورت وسام كلوفيس.

ترامب يصفه بالرجل الممتاز

ويمكن القول إن السبب الوحيد لتعيين بابادوبولوس في منصبه، هو وصف  ترامب له خلال مقابلة مع صحيفة و“اشنطن بوست“ في مارس/آذار 2016، بأنه ”رجل ممتاز“ استجابة لتزكية مستشاره السابق كلوفيس.

وفي أوائل 2016، وضع كلوفيس اسم بابادوبولوس مع غيره من الأشخاص، منهم اثنان تورطا في الأزمة السياسية الروسية، ضمن قائمة مستشاري ترامب للسياسة الخارجية، ردًا على انتقادات وضغوط الديمقراطيين للإعلان عن هذه القائمة، ثم دافع لاحقًا عن اختياره له بقوله إنه ”يعمل من أجل لقمة العيش، فلديه تجربة حياتية حقيقية“، خلال مقابلته مع صحيفة ”نيويورك تايمز“.

وفي الوقت الذي يلقي كثيرون اللوم على كلوفيس لتوريط ترامب في الأزمة الروسية باختياره بابادوبولوس، فإنه يمكن تحميل ترامب مسؤولية فتح التحقيق الروسي، فقد  كشفت وزارة العدل، هذا الأسبوع، عن مزاعم بابادوبولوس، بموافقة أعضاء الحملة الانتخابية على عقد اجتماع بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، موضحًا أنه ضغط مرارًا على أعضاء حملة ترامب للدفاع عن الأفراد الذين يعتقد أنهم يتمتعون بعلاقات مع مسؤولين حكوميين روس رفيعي المستوى، ويمكنهم تزويد الحملة بمعلومات ضد هيلاري كلينتون.

 وأكد بابادوبولوس أن كلوفيس شجعه على ذلك، غير أن البيت الأبيض نفى مؤخرًا ترتيب هذا اللقاء.

ويعتقد  فاركاس، الأستاذ القديم لبابادوبولوس، أن طالبه السابق كان يتظاهر فقط بأنه على اتصال مع كبار المسؤولين الروس كوسيلة لتعزيز وضعه في الحملة.

فضيحة سياسية كبرى

وبين عشية وضحاها وجد بابادوبولوس، الذي تحوّل من شاب عادي إلى واحد من مستشاري الرئيس، نفسه فجأة وسط فضيحة سياسية كبرى وإدانات بالكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن اتصالاته في روسيا، فقد أصابت لعنة السياسة في واشنطن هذا الشاب اليوناني، وسارع كل معارفه إلى الإعلان عن الابتعاد عنه.

فقد استبعدت شركة ”إنيرجي ستريم“ الأمريكية لصناعات الطاقة اسمه من  جدول أعمال قمة النفط والغاز للعام 2018 في قبرص، حيث كان من المقرر أن يتحدث بابادوبولوس، كما أزالت اسمه من لائحة الأشخاص المشاركين في مؤتمر الطاقة في  مارس/آذار، ولم ترد الشركة على طلب التعليق على حذفه من موقع المؤتمر.

ونفى المجلس الاستشاري الرئاسي الدولي للأعمال التجارية، وهو شركة مرتبطة مع قطب الطاقة القبرصي إفثيفولوس باراسكيفيدس، علاقته ببابادوبولوس، مؤكدين أنهم ”لم يلتقوا به ولا يعرفون عنه أي شيء“، وفقًا للمتحدث باسم المجلس، جون جورجولاس.

 ولم تكن هذه هي المجموعة الوحيدة التي أدعت عدم معرفتها بالمستشار السابق لحملة الرئيس، فقد نفت الأمم المتحدة وجوده كممثل للسياسة الخارجية في إحدى مسابقاتها في جنيف في العام 2012، ردًا على مزاعمه بالمشاركة.

ومؤخرًا نشر بابادوبولوس صورة لنفسه على موقع ”تويتر“ للتواصل الاجتماعي وهو يتناول السمك في مطعم يوناني في شيكاغو، لكنه سرعان ما حذف الصورة حتى لا يتمكن الصحفيون من اقتفاء أثره، ليخفي نفسه سريعًا بعدما صعد نجمه دون سابق إنذار.