التغيير في الخارجية القطرية.. تعديل في المسار أم تبديل في التكتيكات؟

التغيير في الخارجية القطرية.. تعديل في المسار أم تبديل في التكتيكات؟

المصدر: إرم - أبو ظبي - عبدو حليمة

 

قطر . شبه الجزيرة ذات الآلاف العشرة من الكيلو مترات المربعة فقط لاغير، إلا أن المتتبع لملفات المنطقة في العقد الأخير يشعر أن ثمّة امبراطورية عظمى اسمها قطر تمسك بخيوط فاعلة في اللعبة السياسية والاقتصادية والإعلامية و العسكرية وحتى الرياضية.

وبالطبع فإن ذلك تطلب أدوات وأثمان باهظة دفعتها الدوحة لتصل إلى ماوصلت إليه من التأثير وهي الدولة الغنية بالغاز الطبيعي وتمتلك احتياطات نقدية هائلة بمليارات الدولارات، كما أنها تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم في مستوى دخل الفرد.

 

ولكن الثمن الأغلى الذي دفعته الحكومة القطرية تمثل في ”مقامراتها ”بعلاقاتها مع معظم الدول العربية وخاصة في البيت الخليجي عندما غردت الدوحة خارج السرب في عدد من الملفات وارتمت بمشروع يهدف إلى تمكين الإخوان المسلمين من ملئ فراغ الحكام الذين أسقطهم الربيع العربي في كل من ليبيا وتونس ومصر، وذلك بالتعاون مع حزب العدالة والتنمية التركي الذي نصّب نفسه وليا لأمر المسلمين والناطق باسمهم. كما غالت قطر في دعمها للمتشددين الاسلاميين في سوريا والعراق وظلت تراهن على الحليف التركي.

 

ومع انطلاق الذكرى السادسة لاندلاع شرارة الربيع العربي ظلّ التصرف القطري محل شك وريبة لدى الدول العربية عندما سارع محمد الحجازي القيادي في عملية الكرامة للانشقاق عن قوات اللواء خليفة حفتر بعد يوم واحد من توقيع اتفاق تاريخي يمهد لحل الأزمة في البلاد..

كما أن تونس شهدت اضطرابات واسعة علا من خلالها صوت حركة النهضة الاسلامية عبر الرئيس السابق المنصف المرزوقي والذي راح يؤجج تحركات الشارع عبر الإعلام ويتهم الدول العربية جزافا بينما يجهد في تبرئة ساحة قطر ومدح سياستها.

 

وقد جهد الإعلام القطري في شحن المصريين وتعبئتهم لتكرار ثورة يناير ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي. لكن محاولاتهم باءت بالفشل وإن كان الوضع الأمني للبلاد لايطمئن مع حدوث خروقات أمنية في عدد من المدن وانشغال الجيش في محاربة داعش وحلفائها في سيناء.

 

ولعل هذا التحرك كان آخر مهمة لوزير الخارجية القطري خالد العطية قبل أن يصدر أمير البلاد تميم بن حمد آل ثاني أمرا بتعيين وزير خارجية جديد من العائلة الحاكمة وتقليص عدد الوزارات ودمج أخرى وإلحاقها بمجلس الوزراء في إجراء فسّره مراقبون بأنه يهدف إلى تعديل مسار السياسة القطرية وتعاطيها مع الأمور بعقلانية أكبر تعيد وصل ماتم قطعه مع الأسرة الخليجية ومصر على أساس المصالح المشتركة.

فلم يعد بإمكان الدوحة فعل أكثر من ذلك إلا إذا بقيت مصرّة على استمرار النزيف في علاقاتها العربية لحساب التبعية لأنقرة أردوغان.

 

الأمر الآخر الذي يرجح احتمال حدوث تغيير في سياسة قطر الخارجية هو الانخفاض الهائل في أسعار النفط والذي كبّد اقتصادها خسائر فادحة إلى الدرجة التي أعلنت فيه الدوحة لأول مرة عن سعيها في الحصول على قرض بقيمة خمسة مليارات دولار…وبالتالي فإن نقص السيولة يجبر الدوحة على الانضباط والتراجع عن الشطط الحاصل في السياسة الخارجية التي يشكل المال السياسي أبرز أسلحتها.

وفيما يتعلق بقناة الجزيرة نجد أن السياسة القطرية تعمل منذ فترة على تقليص دور القناة بشكل كبير عندما قامت الإدارة بالاستغناء عن الآلاف من الموظفين لديها وأغلقت بعض تفرعات القناة مثل الجزيرة مصر قبل أن تأتي المفاجأة الأخرى بإغلاق الجزيرة أمريكا بعد أن كانت الشبكة قد أنفقت نصف مليار دولار على إنشائها قبل ثلاث سنوات فقط.

 

وتعكف الدوحة حاليا على دعم مشاريع إعلامية جديدة انطلاقا من العاصمة البريطانية لندن ومنها تلفزيون العربي ذات الامكانات الضخمة .حيث سرب الإعلام القطري أن هدف هذه القناة تصحيح المسار وتخفيف حالة العداء التي ولدتها قناة الجزيرة في السنوات الأخيرة.

 

وعلى مايبدو فإن قطر تعيد جرد حساباتها السياسية في ضوء تغير المزاج الدولي تجاه العديد من القضايا وهي تحتاج إلى سياسة خارجية جديدة تستطيع القيام بهبوط اضطراري آمن بعد أن حلقت الدوحة بعيدا وبعيدا جدا في طموحاتها الإقليمة والدولية .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com