الجزائر.. تفاصيل مثيرة تكشف كيف دفع الجيش الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة‎‎

الجزائر.. تفاصيل مثيرة تكشف كيف دفع الجيش الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة‎‎

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

مع تسارع العد العكسي إلى نهاية المأمورية الرابعة للرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، يتجدد طرح سؤال التناوب الديمقراطي في الجزائر، لا سيما في ظل عدم إعلان الرئيس ترشحه، وما يتناسلُ، جرّاء هذا الغموض، من إشاعات وتكهنات حول ما بات يُعرف في الجزائر بعقدة “العهدة الخامسة“.

ويزيد من ارتباك المشهد غموض موقف المؤسسة العسكرية، وما ترتب على ذلك من تساؤلاتٍ حول دورها في المرحلة الحالية، لا سيما في ضوء التعديلات الواسعة على قياداتها في السنوات الأخيرة، والتي تضمنت هيكلةَ وحلَّ بعض أفرعها الفاعلة (المخابرات العسكرية)، وإقالة عدد من قياداتها البارزة (الجنرال توفيق).

والواقع أنَّ الجدل الراهن يُحيل إلى إشكالٍ أعمق، هو الحضور الوازن والمتواصل للجيش الجزائري في الحياة السياسية منذ السنوات الأولى للاستقلال.

ونشر الصحافي فريد عليلات، مقالًا في أسبوعية ”جون آفريك“، عن إزاحة الجيش للرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد، وتنحيه عن السلطة، في حقبةٍ غيرت مسار الجزائر.

ففي الحادي عشر من يناير/كانون الثاني 1992، قرَّر الرئيس، الشاذلي بن جديد، مغادرة السلطة وتركها للجيش الذي حكم باسمه منذ فبراير/شباط 1979.

وكتب عليلات: ”جاءت هذه الاستقالة إثر أزمة سياسية حادة فجرها فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في تشريعيات ديسمبر/كانون الأول 1991″، متسائلًا: ”فهل كانت هذه الاستقالة بمحض إرادة الرئيس أو أنه دُفِع إليها؟“.

وقال الكاتب: ”كان المشهد كما يأتي: جلس الرئيس الشاذلي بن جديد، مرتديًا بذلته القاتمة وشبك رجلاه، وسلم ملفًا لرئيس المجلس الدستوري الذي تناوله بصعوبةٍ بالغة، وهو يرتعد عاجزًا عن إخفاء حالته النفسية السيئة، داخل الملف توجد استقالة الرئيس“.

وتابع في مقاله: ”ركزت كاميرا التلفزيون الجزائري على الملف، ثم تلفظ الشاذلي بكلماتٍ قليلة لا يُمكن تبين مضمونها، وبعد ذلك نهض وصافح أعضاء المجلس قائلًا: “لقد عملتم كثيرًا هذه الأيام“، قبل أن يغادر القاعة دون أن يتوجه إلى المواطنين بأي كلمة.

وأشار الكاتب، إلى أن استقالة الشاذلي جاءت بعد 17 يومًا من الشوط الأول للانتخابات التشريعية الذي فازت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبيةٍ واسعة، وألقت تلك الاستقالة بالجزائر إلى المجهول.

التعايش المستحيل مع الإسلاميين

وبحسب الكاتب: ”بدأ كل شيء في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول؛ أي قبل يومين من الاستحقاق التشريعي، حين التقى الرئيس الصحافة، وكان ثمَّة سؤالٌ واحد على كل الألسن: ماذا أنتم فاعلون، السيد الرئيس، إذا فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية البرلمان؟“.

ليجيب الشاذلي: “الحكومة مسؤولة أمام البرلمان وليس أمام الرئيس“، والكلام لكاتب المقال.

وتابع عليلات: ”فهِم من تلك الإجابة أنَّ بن جديد مستعد للتعايش مع الإسلاميين الذين تُعد إقامة خلافةٍ إسلامية أهم ما يعدون به، وهو أمر مرفوض تمامًا بالنسبة لعدد من جنرالات الجيش، وقد صرح أحدهم، في خضم مساعي دفع بن جديد إلى الاستقالة؛ (هذا غير معقول ولا مقبول، يبدو وكأنه لا يُقدر الخطر الذي يُعرض له البلد)“.

وأضاف الكاتب: ”كيف يُمكن تقاسم السلطة مع الإسلاميين والجيش دفن لتوه خمسة جنود قضوا في هجومٍ على مركز (كمار)، الحدودي جنوب غربي البلاد، نفذته مجموعة من قدماء الحرب الأفغانية يتزعمهم عمدةٌ ينتمي لجبهة الإنقاذ الإسلامية؟!“.

وقال عليلات: ”كيف يمكن التعايش مع حزب أبرز قادته، عباسي مدني وعلي بلحاج، يقضيان عقوبة بالسجن 12 سنة بعد إدانتهما بالمشاركة في مؤامرة على سلطة الدولة، وتخريب الاقتصاد، وتوزيع منشورات تمس بالمصلحة الوطنية؟!“.

واستطرد: ”هل يُمكن تسليم مقاليد الحكم لعبد القادر خشاني، الرجل الثالث في الجبهة، الذي يتعهد لأنصاره بإقامة خلافةٍ إسلامية أو الموت دون ذلك، أو لمحمدي سعيد، الضابط السابق في قوات الحماية النازية خلال الحرب العالمية الثانية، والذي قال مرة إنه (مستعد لإعدام مليوني مواطن لتطهير البلد؟)“.

وجاء في المقال: ”طبعًا لا، يقول كبار العسكريين الذين لم يستسيغوا قط تصريحات بن جديد. وما كاد بن جديد ينهي مؤتمره الصحفي، حتى شرع كبار الضباط في التشاور لقطع طريق السلطة على الإسلاميين. وشارك في تلك المشاورات خالد نزرا، وزير الدفاع، محمد العماري قائد الجيش البري، ومحمد تواتي المستشار بوزارة الدفاع“.

بين التشاور والقلق

وأضاف عليلات في مقاله: ”جرى الشوط الأول من التشريعيات في الـ 26 من ديسمبر/كانون الأول 1991، واكتسحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ النتائج بحصولها على 3.2 مليون صوت من مجموع 13 مليون ناخب، وحصدت بذلك 188 مقعدًا من مجموع مقاعد الجمعية الوطنية الشعبية البالغ عددها 430 مقعدًا، وتبعتها جبهة القوى الاشتراكية، بزعامة الحسين آيت أحمد، وحصلت على 25 مقعدًا، أما جبهة التحرير الوطني فحلت ثالثًا بـ16 مقعدًا“.

وأكمل: ”وفي ضوء أنَّ الجبهة تخوض الشوط الثاني في 140 دائرة انتخابية، فإنها باتت على وشك حصد الأغلبية المطلقة في البرلمان، مع العلم أنَّها تُسير 853 بلدية من مجموع 1539، وذلك بعد فوزها في بلديات يونيو/حزيران 1990“.

وحسب المقال: ”كان الإسلاميون يعيشون نشوة عارمة وكان الديمقراطيون تائهين، وكانت أوروبا تخشى قدوم دولة إسلامية على أبوابها الجنوبية وما قد يترتب على ذلك من نزوحٍ جماعي إليها، أما في الجزائر فساد الارتباك والفوضى مختلف دوائر السلطة“.

وقال عليلات: ”في السابع والعشرين من ديسمبر، احتضن قصر الحكومة اجتماعًا رأسه الوزير الأول، أحمد غزالي، وإلى جانبه وزير الدفاع، الجنرال نزار، ووزير الداخلية الجنرال العربي بالخير، وبدا الثلاثة شاحبين جدًّا، وهو ما يجد تفسيره في المخاوف من نتائج الشوط الأول التي لا تزال جزئية، ولكن الانطباع السائد هو أنَّها ستكرس هزيمة نكراء، وهو ما يُعزز المخاوف من مآلات الشوط الثاني المقرر في الـ 16 من يناير. وكان السؤال الملح هو: هل يجب إلغاؤه أو إجراؤه؟“.

وتابع: ”ربط خالد نزار الاتصال بالرئيس بن جديد والتقاه بقصر زرالده في الـ  28 من ديسمبر، ولكن اللقاء كان سيئًا“.

وأضاف عليلات: ”خيم مزاجٌ بائس على اللقاء، فقد كان الشاذلي في حالة صدمة، وبالتالي لم يدم اللقاء إلا دقائق، بادر نزار الرئيس بالقول: سيدي الرئيس، لقد حذرناكم، والآن لك أن ترى أين وصلنا. كان الرئيس عاجزًا عن الإجابة، فاختصر المحادثة قائلًا: لنتقابل بعد يومين أو ثلاثة“.

وتابع: ”في ظهيرة اليوم ذاته، اجتمع وزير الاتصال، بوبكر بالقايد، بمسؤولي الصحف المحلية بقصر الثقافة بأعالي العاصمة، وكان الحديث مشحونًا ومتشنجًا، وهيمن عليه الخوف من رؤية الإسلاميين يتسلمون السلطة. وكان السؤال البدَهي: ما العمل؟“.

وقال الكاتب: ”طلب الوزير بالقايد من مديري الصحف التركيز في تغطياتهم على مواطن الوهن في المشروع المجتمعي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعلى تصريحات بعض قادتها بشأن المكاسب الديمقراطية لانتفاضة 1988 التي دفعت النظام إلى اعتماد التعددية السياسية وإنهاء حقبة الحزب الواحد. وختم مطمئنًا بالقول؛ (ما بقي نحن سنتكفل به)“.

وأضاف عليلات في مقاله: ”فهم كثير من الحاضرين أنَّ أمرًا عظيمًا يجري الترتيب له، أما جبهة الإنقاذ فواصلت الضغط بإعلان عبد القادر حشاني، وهو أحد القياديين البارزين، أنَّ حزبه مستعد للتعايش مع الرئيس بن جديد، ولكنه استدرك استدراكًا مقلقًا، فقد أكد أنَّ الحزب سيفرض إجراء رئاسيات مبكرة إذا لم يُمنح البرلمان صلاحياته كاملة، وهو تلويح أرعب قيادة الجيش“.

خلوة عين النعجة

وكتب عليلات: ”بعد تبادل مكثف لوجهات النظر بين كبار الضباط، قررت المؤسسة العسكرية الاجتماع بمقر قيادة القوات البرية بعين النعجة في الـ 30 من ديسمبر/كانون الأول 1991، بحضور المديرين المركزيين بوزارة الدفاع كافة، بمسؤولي جهاز الاستخبارات، فضلًا عن قادة المناطق العسكرية“.

وأضاف: ”ترأس الاجتماع وزير الدفاع، خالد نزار، وعباس غزْيل، قائد الدرك الوطني، وعبد المالك كنيِزيه، قائد الأركان“.

واستطرد الكاتب: ”طيلة ثلاث ساعات، وفي غياب أي جدول أعمالٍ محدد، تناول المشاركون جميعًا الكلمة باستثناء محمد مدين (الملقب توفيق)، رئيس قسم الاستعلامات والأمن (المخابرات العسكرية)“.

وينقل عليلات في مقاله، رواية  أحد الجنرالات المشاركين بأن الجهد انصبَّ على الطريقة التي يُمكن بها إقناع رئيس الدولة بالواقع وبالتسليم به: “الوضع كان على درجة من الخطورة يُمكن أن تدفع الرئيس إلى الحسم في مواضيع بالغة الحساسية. مثلًا كنا نتساءل؛ هل بمقدور الرئيس أن يُقدم على تقاسم الحكم مع جبهة الإنقاذ رغم معارضة الجيش؟ كان هاجسنا الأكبر أنَّه في حال وصول الجبهة للحكم، فإن ذلك سيؤدي إلى انقسام المؤسسة العسكرية مع ما قد يترتب على ذلك من تبعاتٍ لا يُمكن التنبؤ بها على تماسكها وعلى أمن البلاد. وفي ضوء ذلك، برز التساؤل الأهم؛ هل سيكون ممكنًا أن يتخلى الرئيس عن مأموريته الرئاسية بمحض إرادته أو ستلزم تنحيته؟، هل سيكون عليها مساعدة الشاذلي على إيجاد حل في ضوء أنَّ إمساك الإسلاميين بالسلطة ستكون له تأثيرات جيو-استراتيجية على المنطقة المغاربية وخارجها“.

وتابع الكاتب: ”اتفق أغلب الحاضرين، وعددهم نحو 40 ضابطًا، على وقف المسار الانتخابي، ولم يتحفظ على القرار سوى أربعة ضباط بينهم قائدا منطقتين عسكريتين“.

وواصل عليلات القول: ”تقرر تشكيلُ لجنةِ (حكماء)’ من أربعة ضباط سامين هم؛ نزار، وكنيزيه، إلى جانب ديب مخلوف، قائد الحرس الجمهوري، وأحمد جنوجات، قائد المنطقة العسكرية الأولى، وتولى الأربعة إبلاغ الرئيس بن جديد رفض الجيش إجراء الشوط الثاني من الانتخابات التشريعية“.

وأكمل الكاتب: ”غداة خلوة عين النعجة، جرى الاجتماع الثاني بين نزار والرئيس بن جديد بقصر المرادية، إذ طلب نزار من الرئيس منحه كامل انتباهه لينقل إليه رسالة زملائه ويشرح له خطورة الوضع“.

ووفقًا لـ عليلات: ”شرع نزار في استعراض مختلف التقارير، والإشعارات والتقديرات التي توقعت حصول الأزمة التي تعيشها البلاد. ويبدو أن الرئيس انزعج من عرض نزار فلم يعد ينظر إليه مباشرة، وبعد برهة، قال له إنه سيتخذ مبادرة دون توضيح ماهيتها“.

اللقاء السري بين حشاني ومهري

وتابع عليلات:  ”تعرَّض الشاذلي لضغوطٍ متعددة وكان مترددًا وعاجزًا عن حسم قراره، فمحيطه المباشر كان يتمسك ببقائه إلى نهاية العهدة الرئاسية، وكان صهره عبد الحميد مهري، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، متمسكًا بالمسار الانتخابي الذي يريد الجيش وقفه“.

وقال: ”في يوم السبت الـ 4 من يناير/كانون الثاني، طلب عبد القادر حشاني، الرجل الثالث في جبهة الإنقاذ، لقاء وزير الخارجية السابق، أحمد الطالب الإبراهيمي، المقرب من الجبهة، وذلك لإبلاغه باستعداد الجبهة لتقديم تنازلات من أجل حل الأزمة“.

وأضاف: ”أبلغ حشاني الإبراهيمي أنَّ الجبهة مستعدة للاكتفاء بــالمقاعد الــ188 التي حصدتها في الشوط الأول، والدعوة للتصويت لجبهة التحرير الوطني في الشوط الثاني، والتخلي عن منصب الوزير الأول لزعيم جبهة القوى الاشتراكية، الحسين آيت أحمد، وعدم المطالبة بأكثر من ثلاث حقائب وزارية هي: العدل، والتربية الوطنية، والشؤون الاجتماعية“.

وحسب عليلات: ”طلب حشاني من الطالب الإبراهيمي نقل العرض إلى الرئيس بن جديد، لكن الإبراهيمي ربط الاتصال أولًا بأمين عام جبهة التحرير الوطني، عبد الحميد مهري“.

وقال الكاتب: ”في الليلة الموالية؛ أي ليلة الخامس/ السادس من يناير، التقى مهري سرًّا بحشاني في المحطة البحرية (نادي الخبز) غرب الجزائر العاصمة، وخلال اللقاء جدد حشاني التزام حزبه بالتنازلات ذاتها التي سبق وذكرها للطالب الإبراهيمي“.

وأضاف: ”وهنا يحق التساؤل: هل علم الرئيس بعرض الجبهة الإسلامية؟ هل حاول عقد صفقة مع الجبهة عن طريق مهري تقضي بتنظيم رئاسيات مبكرة بدل الشوط الثاني من التشريعيات، أو أنه تفادى بحث عرض حشاني؟“.

وتابع عليلات: ”ربما لن يكون ممكنًا أبدًا معرفة حقيقة تلك الاتصالات كون الرجال الثلاثة لم يعودوا على  قيد الحياة“.

حل البرلمان واستقالة الرئيس

وأردف عليلات: ”في انتظار جواب الرئيس، أُرسلت تعزيزات عسكرية إلى العاصمة، في سرية تامة، كي يتم نشرها فيها في حال وقعت اضطرابات، ولا يُستبعد أن يكون هذا الإجراء خطوة استباقية للتصدي لأي مغامرة من الرئيس الشاذلي بعدم الامتثال لرغبة الجيش في وقف المسار الانتخابي“.

وقال: ”هنا يكشف أحد الضباط السامين أنَّ خطة بديلة وُضعت وكُلف بتنفيذها، عند الضرورة، الجنرال محمد العماري قائد القوات البرية، ولكن الأمور لم تستدع تنفيذ هذه الخطة لحسن الحظ، بحسب الضابط“.

وأضاف الكاتب: ”لم يجر اللقاء الثالث بين الرئيس ووزير الدفاع إلا بعد ثلاثة أيام من المناورات؛ أي في السادس من يناير، وخلاله قال الرئيس لنزار: ‘إنَّ على الجيش أن يجد حلولًا’، ونصحه بتفادي أي شكل من أشكال الصراع. ولما فهم نزار أنّ  الرئيس ينوي الاستقالة، شرح له أن عدة أيام ستكون ضرورية لإعلان القرار للجمهور، وأخبره أيضًا أنه ينتظر خلاصات ‘لجنة الحكماء’ المنبثقة عن ‘خلوة’ عين النعجة، وبرغبة ضباط الجيش في التباحث معه. فكر الرئيس في الموضوع وتساءل هل يستقبلهم في بيته أو في المكتب، لكنه في نهاية المطاف لم يقدم إجابة على الطلب“.

وأكمل عليلات: ”في الوقت الذي رفع فيه الرئيس الجلسة، توجه إليه نزار قائلًا: ‘السيد الرئيس، يجب أن تعرفوا أنَّ حياتكم وحياة أسرتكم محفوظة'“.

وقال: ”إذا كانت استقالة الشاذلي باتت تقريبًا في حكم المؤكد، فإن الأمر لا يزال يتطلب مهلة زمنية، ذلك أنَّ إنجاز التغيير في قمة هرم السلطة يتطلب حتمًا حل البرلمان. وهنا يبرز تساؤلٌ عن ما إذا كان رئيس البرلمان، عبد العزيز بلخادم، الذي لا يُخفي تعاطفه مع المشروع الإسلامي، سيُقبل الاضطلاع بهمة ‘الإنابة’ محل الرئيس المستقيل لمدةٍ انتقالية من 45 يومًا ينص عليها الدستور قبل إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة“.

وينقل الكاتب في مقاله عن  أحد الضباط الذين عاشوا تلك المرحلة، القول: “لم يكن مطروحًا بالنسبة لنا أن يقود بلخادم البلاد في المرحلة الانتقالية، لأن مصالح الاستخبارات العسكرية لديها تسجيلات لاتصالات بينه وبين عملاء إيرانيين يعملون بالجزائر“.

وأضاف عليلات: ”في ضوء ذلك، اقترح العسكريون، عن طريق الأمين العام لرئاسة الجمهورية، حل البرلمان“.

وتابع: ”بعد موافقة الشاذلي على ترك السلطة، كلف وزير الدفاع، خالد نزار، كلًّا من محمد تواتي، وعبد المجيد تاغيتْ، والوزيرين؛ بلقايد وعلي هارون، بتحرير رسالة الاستقالة، وهو ما تم في منزل هارون حيث اجتمع الأربعة لمدة ثلاث ساعاتٍ كاملة لإكمال المهمة“.

كما ينقل الكاتب عن أحد الذين حرروا رسالة الاستقالة، قوله: “كان لزامًا أن لا تُقدم الرسالة، بأي شكل، الرئيس على أنه رئيس أضعفته الأزمة أو رجل مكره.. الشاذلي آثرَ مصلحة البلد على مصلحته الشخصية، وبشرف تام. وكنا متأكدين بنسبة 90 في المائة أنه سيغادر دون أن يُجبر على ذلك“.

وتابع عليلات: ”في الثامن من يناير، أشعرَ مدير تشريفات الرئاسة الجنرال خالد نزار أنَّ الرئيس بن جديد يرغبُ في إعلان استقالته في اليوم ذاته، فأجابه نزار باستحالة ذلك؛ لأن الوحدات العسكرية التي ستتولى تأمين العاصمة تحسبًا لحدوث اضطرابات لم تصل بعد، وأبلغَ مدير التشريفات برغبته في لقاء الرئيس الشاذلي في أقربِ موعد ممكن“.

وأضاف: ”اصطحب نزار معه الجنرال جنوحات، وهو أحد قدماء مقاتلي جبهة التحرير، لمقابلة الرئيس الذي قبل تأجيل إعلان الاستقالة إلى يوم الـ 11 من يناير، ولكنه رفض أن يكون ذلك عبر التلفزيون، فخاطبه الجنرال جنوحات: (نحن أولادكم، السيد الرئيس، ولن تقبلوا أن يعتقد الناس أننا نفذنا انقلابًا عليكم)“.

وواصل كاتب المقال روايته للأحداث بالقول: ”تمسك الرئيس بتفادي عناءِ الخطاب المتلفز، وقبلَ بمخاطبة الجزائريين عبر المجلس الدستوري، وحينها أخرج نزار نص الاستقالة من جيبه وسلمه له قائلًا: ‘إذا لم يكن مناسبًا لكم (النص)، فلتدخِلوا عليه التعديلات اللازمة’، رفع الرئيس الجلسة وعرض النص على مستشاريه قبل أن يُعطي موافقته: (جيد، أقبل مضمون النص كما هو)“.

واختتم عليلات مقاله ”الساعة الثامنة والنصف مساء يوم الحادي عشر من يناير/كانون الثاني 1992، أدار بن جديد ظهره للسلطة إلى الأبد“.