نجاح السعودية في بيع السندات يُخفي أزمتها الاقتصادية

نجاح السعودية في بيع السندات يُخفي أزمتها الاقتصادية

ذكرت وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية أنه في سابقة هي الأولى من نوعها، دخلت المملكة العربية السعودية السوق الائتمانية الدولية، مشيرة إلى أن هذه التجربة الجديدة لاقت نجاحًا واسعًا، حيث كان هناك مشترون أكثر بأربعة مرات من المطلوب لشراء سندات بقيمة 17.5 مليار دولار، الأمر الذي فاق كل المعايير المتعارف عليها لعروض السندات السابقة لأي “دخيل جديد” إلى السوق.

وبرهنت هذه النتيجة على صحة الخطة الشاملة التي أطلقها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي تهدف لتنويع الاقتصاد في المملكة، بدلاً من الاعتماد على النفط فقط وتحريكه ليصبح أكثر توازنًا.

في الحقيقة، كان بيع السندات نقطة مضيئة في سلسلة من العثرات الاقتصادية والجيوسياسية، والتي أدخلت ليس فقط المملكة السعودية في حالة من التخبط بل وأيضًا أضعفت من قبضتها على أسواق النفط العالمية، ويدرك السعوديون هذا الأمر جيدًا، حيث أنهم شهدوا هذا الأسبوع إقالة وزير المالية إبراهيم العساف من منصبه، على الرغم من نجاح عملية بيع السندات التي أشرفت عليها وزارته.

وتواجه الرياض عاصفة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فقد أدى الانخفاض الحاد لأسعار النفط الخام في العامين الأخيرين إلى عجز هائل في الميزانية بلغ 98 مليار دولار العام الماضي ومن المتوقع بأن يصبح 87 مليار دولار في العام 2016، وقد أدى هذا العجز إلى لجوء المملكة لاحتياطها من النقد الأجنبي الذي انخفض من 732 مليار دولار في العام 2014 إلى 562 مليار دولار في الشهر الماضي.

في العام الماضي توقع صندوق النقد الدولي بأنه إذا استمرت السعودية على نفس نهجها الاقتصادي فمن الممكن بأن تستنفد احتياطها النقدي بالكامل بحلول العام 2020.

تبديد الاحتياطي النقدي

اضطرت المملكة إلى اللجوء لاحتياطها من النقد الأجنبي، بسبب العجز الشديد في الموازنة.

وقد أدى هذا الأمر إلى دخول المملكة في حالة من التقشف، حيث تم خفض الرواتب وإزالة الإعانات، وخلال الأشهر القليلة الماضية تم خفض النفقات الرأسمالية بنسبة بلغت 70%، وفي العام 2013 بلغت نسبة الدين الحكومي إلى إجمالي الناتج المحلي ما يقارب 2.2%، وذلك وفقا لمؤسسة موديز للتصنيف الائتماني، ومن المتوقع بأن تصل هذه النسبة إلى 22%، بحلول العام 2017 وإلى 30%، بحلول العام 2020.

وعلى الرغم من محاولة الحكومة إلقاء اللوم على قوى السوق الخارجة عن إرادتها، فمن الواضح أن الاقتصاد السعودي بات ضحية لسوء الإدارة والمناورات الجيوسياسية.

وبالعودة إلى ديسمبر من العام 2014 كان الاقتصاد الإيراني يعاني بسبب العقوبات المتعلقة ببرنامجها النووي، وأرادت إيران وقتها الحصول على أفضل الأسعار لكمية النفط الصغيرة المسموح لها ببيعها في الأسواق، وأيضًا أرادت العديد من الدول غير العربية بمنظمة “أوبك” رفع أسعار النفط عن طريق تقليل الإنتاج، إلا أن وزير النفط السعودي وقتها علي النعيمي “رفض” هذه الفكرة.

وكان هناك سببان لرفضه، أولهما بشأن إيران، حيث أراد السعوديون الضغط على طهران لتغيير سياستها الإقليمية المتمثلة في الحروب الأهلية باليمن وسوريا، وإلى زيادة عزلة إيران بالاستيلاء على حصتها في السوق داخل أوبك.

أما السبب الثاني فيتعلق بأمريكا الشمالية، فقد أراد السعوديون توجيه ضربة قاضية لإنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري، والتي تعتمد إلى حد كبير على التكسير الهيدروليكي مرتفع التكلفة. فكانت خطة السعودية آنذاك أنها إذا قامت بإغراق السوق بالنفط الخام، سينخفض السعر بسرعة ما سيجعل تكلفة إنتاج النفط الصخري بأمريكا الشمالية باهظة للغاية، وقد نجح هذا الأمر ولكن “جزئيًا” فقط.

فتح الصنبور

أدى فتح صنبور النفط السعودي إلى إيذاء الاقتصاد السعودي بنسب فاقت التوقعات بكثير، إذ لم تتغير سياسة إيران في المنطقة، ولم تتوقف عن دعمها للحوثيين في اليمن أو دعم الرئيس بشار الأسد في سوريا، وظل الوضع على ما هو عليه بالنسبة لهذين الصراعين.

وعلى الرغم من المشاكل الاقتصادية في الرياض إلا أنها فاقت روسيا العام الماضي بحلولها في المرتبة الثالثة بين أكثرالدول المنفقة على الأسلحة العسكرية في العالم.

وعلاوة على ذلك، منذ توصّلت إيران إلى الاتفاق النووي مع الغرب، لم تستعد حصتها في السوق فقط، بل أنتجت كميات من النفط الخام أكثر من أي وقت مضى. وفي انعكاس للحظ يحاول السعوديون حاليا إقناع إيران بالموافقة على خفض إنتاجها من النفط في الاجتماع المقرر له يوم الـ 30 من نوفمبر المقبل بينما ترفض إيران والعراق ذلك.

إيران تزيد من إنتاجها

أوشكت إيران على الوصول لمعدلات إنتاجها السابقة من النفط الخام، قبل فرض العقوبات عليها وتتطلع إلى زيادة أكبر في الإنتاج.

وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من أن السياسة الأخيرة التي اتبعتها السعودية بشأن إنتاج النفط قد أضرت منتجي النفط الصخري بأمريكا الشمالية، إلا أن أي ارتفاع لأسعار النفط مرة ثانية سيؤدي إلى رجوع الوضع بالنسبة للنفط الصخري إلى ما كان عليه سابقا.

ومن الواضح أن المملكة قد بالغت في تقدير قدراتها بالتحكم في سوق الطاقة العالمي، الأمر الذي كلفها الآن ثمنا باهظا.

ويزعم العديد من الاقتصاديين، أنها ليست إلا مسألة وقت قبل أن تبدأ الرياض العمل على الإصلاحات الشاملة، والتي ستعيد تشكيل اقتصادها ومجتمعها، ففي النهاية سينفد النفط. وبينما تتغير أسواق الطاقة سنويا، وكذلك الاقتصاد العالمي في حالة تغير مستمر شرع الأمير محمد بن سلمان في تنفيذ خطة “منفتحة” من خلال استهداف الاستثمار الأجنبي وتخفيف القيود الاجتماعية وتحويل اقتصاد المملكة إلى اقتصاد قائم على المعرفة.

ويهدف محور الخطة الأساسي إلى بيع نسبة 1% إلى 5%، من شركة النفط السعودية “أرامكو” واستخدام عائداتها لإنشاء أكبر صندوق للثروة السيادية بالعالم.

تحديات..

ومع ذلك، تواجه السعودية مجموعة من التحديات على رأسها كيفية معالجة مشكلة السعوديين الأكثر إلحاحا ألا وهي البطالة، إذ يبلغ الشباب الأقل من 30 عاما ثلثي سكان المملكة، ولذا فالرياض بحاجة لخلق 3 ملايين وظيفة جديدة بحلول العام 2020. وتبلغ نسبة البطالة الحالية بين الشباب 30%.

وتعوّل الحكومة على إزالة الروتين والبيروقراطية لجعل اقتصادها أكثر جاذبية للاستثمارالأجنبي وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتشجيع ريادة الأعمال. ويبقى السؤال: هل سيمكن تحقيق هذا التغيير الشامل بدون إثارة الاضطرابات الاجتماعية التي يمكن أن تهدد اقتصاد المملكة؟

بيع السندات وحده لا يوفر الرؤية المستقبلية الكافية في عالم انخفاض العائدات والنمو البطيء ، والمستثمرين الذين يبحثون عن أفضل عائد، حيث توفر السندات السعودية الآتي: صك الـ 5 سنوات بفائدة 2.6% وصك الـ 10 سنوات بفائدة 3.41% وصك الـ 30 عاما بفائدة 4.63%. ومع ذلك فقد يجد المرء صعوبة في العثور على أي من مديري الصناديق أو من مؤسسات الاستثمار، الذين قد يقولون بأنهم يعرضون أنفسهم لهذا الدّين اعتقادا منهم بقدرة الرياض على إعادة تشكيل نفسها من دولة منتجة للنفط فقط إلى دولة تعتمد على اقتصاد السوق، ولكن السبب الذي يدفعهم لشراء تلك السندات هو احتياطات النفط التي تملكها المملكة.

وتواجه المملكة تحديات هيكلية شاقة، فمع الاكتتاب العام لشركة أرامكو وطرح مزيد من السندات العام المقبل يتطلع المستثمرون والنخبة العالمية إلى نجاح خطة الرياض، وإذا كان الأمر كذلك سيزداد الاقبال على الاستثمار في الاقتصاد السعودي.