إنقاذ أرواح الطالبات السعوديات ضرورة إنسانية تصطدم بالعرف الاجتماعي

إنقاذ أرواح الطالبات السعوديات ضرورة إنسانية تصطدم بالعرف الاجتماعي

لا يزال صدى الحوادث المأساوية التي صدمت المجتمع السعودي وراح ضحيتها طالبات مدارس وجامعات سعودية، في حوادث سابقة، يظهر على السطح بين الحين والآخر، ليستمر تخوف السعوديين من تكرارها، في ظل استمرار سيطرة الأعراف الاجتماعية التي حالت دون دخول المسعفين إلى حرم مباني لطالبات لإنقاذهن، بسبب القواعد التي تحظر على الرجال دخول المباني المخصصة للفتيات.

وسبب تكرار تلك الحوادث صدمة للسعوديين، واستهجانًا من قبل الكثير منهم، ممن يعتبرون أن الضرورات الإنسانية تبيح في حالات خاصة الخروج عن الأعراف السائدة، في المجتمع السعودي أكثر المجتمعات العربية والإسلامية محافظة.

وعلى الرغم من موجات الاستهجان والانتقاد المرافقة لتلك الحوادث، والتي تعود لتسليط الضوء عليها في وسائل الإعلام السعودية أو مواقع التواصل الاجتماعي، بين الحين والآخر، استمر خضوع تلك الحالات للاجتهادات الشخصية، ولم تصدر الجهات الرسمية قانونًا صريحًا، إلا أخيرًا؛ إذ أقر وزير التعليم السعودي، أحمد العيسى، السماح لمقدمي الخدمات الإسعافية بالدخول إلى المدارس والجامعات الخاصة بالبنات لمباشرة الحالات الإسعافية الطارئة.

آخر تلك الحوادث المأساوية وقع في سبتمبر/أيلول الماضي، إذ ضج المجتمع السعودي، بوفاة الطالبة ضحى المانع في حرم جامعة القصيم، ليوجه مدونون سعوديون انتقادات لاذعة للجامعة عبر اتهامها بعدم السماح للمسعفين بالدخول وإسعافها، على الرغم من إنكار إدارة الجامعة للواقعة، معتبرة أن سبب الوفاة هو سكتة قلبية.

ولم تكن الحادثة الأولى من نوعها؛ ففي فبراير/شباط 2014، وجهت عائلة إحدى الضحايا اتهامات لحراس الأمن في جامعة الملك سعود في العاصمة السعودية الرياض، بالتسبب بوفاة ابنتهم طالبة الماجستير في كلية الدراسات الاجتماعية، آمنة باوزير، إثر تعرضها لأزمة قلبية حادة، جراء منعهم رجال الإسعاف من الدخول لحرم الكلية وتأخير إسعافها، لأنها “لا تضع غطاء الرأس، وأنهم لا يستطيعون إدخال الرجال لمبنى البنات”.

ورغم تقادم السنين؛ يستذكر السعوديون بمرارة كارثة حريق طالبات مدرسة مكة، في مارس/آذار 2002، إذ منع رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الطالبات من مغادرة المبنى المنكوب، وأغلقوا الباب عليهن؛ لأنهن لا يرتدين الحجاب أو العباءة، كما منعوا رجال الإطفاء والدفاع المدني وأولياء أمور الطالبات من الدخول، لأنه “لا يجوز للفتيات أن ينكشفن أمام غرباء، كونهم ليسوا من المحارم”، وكانت النتيجة خروج البنات جثثاً متفحمة، حيث أودى الحريق الشهير بحياة 15 فتاة سعودية في المدرسة، وإصابة أخريات.

وأعاد الكاتب السعودي، صالح المسلم، اليوم الاثنين، إثارة القضية، في مقال نشرته صحيفة “الشرق” السعودية تحت عنوان “استأذن قبل أن تُنقذ روحاً طاهرة!” واصفًا المجتمع السعودي بأنه يكاد يكون “من أكثر المُجتمعات في العالم من حيث التناقض في تناوله لغالبية المعضلات والمُشكلات والقضايا العالقة والمُتعلقة بالإنسان إلى حد كبير، ومن أكثر المُجتمعات تناقضًا في أمور الدين والدنيا”.

ويقول الكاتب إنه “ليس هُناك نظام صريح واضح، معلوم ومعروف من قِبل الجميع.. لقفل باب الاجتهادات من جهة، وعدم التأويل والنزاعات من جهات أُخرى ومن ثم تعود الأمور إلى اجتهادات شخصية ما أنزل الله بها من سلطان! ومع الأسف رُبما تكون هذه الاجتهادات تتعلق بأرواح البشر. ومن أهم القضايا التي طالت النقاشات فيها ولم يتم البت فيها إلا أخيرًا (دخول المُسعفين إلى المدارس) بعد أن شاهدنا ورأينا الموت وزُهقت أرواح عديد من الفتيات في مٌختلف مناطق المملكة”.

وتساءل الكاتب مستنكرًا “هل يحتاج الأمر إلى قرار وزاري؟ هل نحتاج في أعمالنا الإنسانية إلى أن نستأذن من الوزير، وإذا لم يأذن لنا تُهدر الأرواح وتترك الأنفاس تلهث دون أن يسمع صوتها من يدعّون تطبيق النظام؟”.

وختم الكاتب إن “ما يجري لفلذات أكبادنا يجب أن يتوقف منذ زمن بعيد، فأرواح بناتنا وأولادنا ليست بتلك الرخص لكي يكون الاستهتار ديدن الغالبية في مدارسنا وجامعاتنا، ويجب أن يكون في كل دائرة وهيئة من يحملون دورات تدريبية في الإسعافات الأولية وأن يكون الجميع على دراية واستعداد لأن يولوا هذا الجانب جل اهتمامهم”.