“التكفيريون”.. ذريعة إيران الجاهزة لإقناع مواطنيها بتدخلاتها الإقليمية

“التكفيريون”.. ذريعة إيران الجاهزة لإقناع مواطنيها بتدخلاتها الإقليمية

المصدر: إرم نيوز ـ واشنطن

دأبت إيران على الإعلان، بين الحين والآخر، عن إحباط هجمات لمتطرفين أو اعتقال عدد منهم، في محاولة لحشد الرأي العام الإيراني وراء أجنداتها الإقليمية، ذات البعد الطائفي.

ففي 14 حزيران/يونيو، قامت وزارة الاستخبارات الإيرانية بسلسلة عمليات أدت إلى اعتقال عشرة “إرهابيين تكفيريين ” في طهران وثلاث محافظات أخرى. وبعد الإعلان الأولي عن عملية القمع في 19 حزيران/يونيو الجاري، قدم وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي تفاصيل تفيد أن “خطتهم كانت تقضي بمهاجمة العديد من الأماكن المزدحمة باستخدام قنابل عن بُعد وسيارات مفخخة”، وكانوا قد أعدّوا قائمة تضم خمسين هدفًا بالإجمال.

وما زال نطاق هذا التهديد وحدّته الفعليَّيْن غير معروفَيْن في الوقت الراهن، ولكن الخطاب المحيط برد النظام الإيراني يحمل تداعيات محلية واضحة. فبالإضافة إلى التعامل مع تسلل الإرهابيين ككرة قدم سياسية في السنوات الأخيرة، يستخدم عدة مسؤولين عبارات مفخخة على غرار “التكفير” لحشد الرأي العام وراء أجندة طهران الإقليمية الطائفية.

ما هو التكفير في السياق الإيراني؟

“تكفير” هو مصطلح ازدرائي يشير إلى عزل مسلمين لإخوانهم المسلمين عن دينهم الإسلامي. وعادة ما يرتبط هذا المصطلح بتنظيمي “القاعدة” و “داعش” الإرهابيين، وغيرهما من الجماعات الإسلامية السنية العنيفة، التي غالبًا ما تستخدم هذا المصطلح لوصف المسلمين الذين لا يشاركونها نظرتها للعالم، وذلك كتبرير لإلحاق الأذى بهم أو قتلهم.

وعادة ما تلصق وسائل الإعلام الإيرانية، وتصريحات النظام الإيراني، في أغلب الأحيان لقب “تكفيريين” على جميع المتطرفين السنة العنيفين من أجل تسليط الضوء على ممارساتهم بعزل مسلمين آخرين عن دينهم. وبالتالي، غالبًا ما يصوّر الخطاب الإيراني الوهابية والسلفية وغيرهما من الحركات السنية المحافظة من الزاوية “التكفيرية” ذاتها.

ويهدف هذا الخطاب بشكل مباشر إلى حشد دعم عام لعمليات الانتشار العسكرية الكثيفة التي ينفذها النظام الإيراني في الخارج، خصوصًا في سوريا.

ولطالما سعت طهران إلى إقناع شعبها بأن هذه التدخلات لا ترمي إلى منع دولة أجنبية من الانهيار، وإنما لمواجهة أعداء إيران والمجتمع الشيعي بشكل عام، ومن الأفضل خوض هذه المعركة خارج إيران.

مكافحة الإرهاب كأداة سياسية

في السنوات الأخيرة، خرج عدة مسؤولين سياسيين ودينيين إيرانيين إلى العلن بتقارير غامضة أحيانًا، وحتى متناقضة فيما يتعلق بتسلل التكفيريين إلى إيران وقيام النظام باعتراض المخططات الإرهابية المزعومة، وكبح النفوذ الإيديولوجي للتكفيريين على المستوى المحلي أو منع الهجمات الإرهابية المحتملة أو استخدام تلك القضية كأداة سياسية في الصراع الداخلي بين معسكر المتشددين التابع للمرشد الأعلى علي خامنئي ودائرة الرئيس حسن روحاني.

وكان عدة مسؤولين آخرين قد حذروا في الماضي من مخاطر تسلل التكفيريين، ومن بين هؤلاء رئيس السلطة القضائية الإيرانية صادق لاريجاني والمرجع الديني في مدينة قم آية الله ناصر مكارم شيرازي المقرب من معسكر خامنئي.

وكانت لعلوي مزاعم سابقة أيضًا عن تسلل التكفيريين ولكن بنكهة إرهابية أكثر وضوحًا. ففي خطاب ألقاه في 29 أيار/مايو 2015 ، ادّعى أن السلطات قد منعت التكفيريين من تنفيذ سلسلة من الهجمات الإرهابية في العام الماضي بمناسبة تجمعات “يوم القدس” في شيراز وزاهدان.

وأشار بشكل خاص إلى عدة جماعات معارضة مسلحة إيرانية مثل “أنصار الفرقان” و”جند الله”. فبالرغم من أن قائدي هاتين الجماعتين (هشام عزيزي وعبد الملك ريغي، تباعاً) قد قُتلا على يد النظام منذ سنوات، أشارت طهران إلى أن كوادرهما ما زالت ناشطة.

وادعى علوي أيضًا أن التكفيريين كانوا يخططون لتسميم الطعام في أحد المراكز الدينية في طهران وقصف حرم “فاطمة المعصومة” في مدينة قم. وقال علوي: “تم اكتشاف جميع الخلايا والفرق التابعة لـ تنظيم “داعش” والقبض على أعضائها الواحد تلو الآخر”.

ولكن عندما أطلق المسؤولون التابعون لروحاني ادعاءات مماثلة، سرعان ما هاجمهم المتشددون. ففي 20 كانون الأول/ديسمبر 2015، “كشف” الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني أن ثلاثة تكفيريين قد عبروا حدود إيران الشرقية لتنفيذ مخططات تفجير ضد تجمع لصلاة الجمعة في طهران وحرم “الإمام الرضا” في مشهد وحرم “فاطمة المعصومة”.

وردًا على ذلك، اعتبر مساعد وزير الداخلية الإيراني للشؤون الأمنية حسين ذو الفقاري أن تلك الادعاءات غير دقيقة، فيما اتهم متشددون آخرون رفسنجاني بنشر تقارير كاذبة للنيل من سمعة وزارة الاستخبارات وإضعاف المرشد الأعلى.

وقالوا أيضًا أن رفسنجاني كان يستخدم تلك التقارير لدوافع شخصية متعددة، أهمها صرف الانتباه عن علاقاته الوثيقة مع العائلة المالكة السعودية، وإظهار أن عملية صنع القرار في المجالين الأمني والعسكري متعثرة لأن تلك الحقائب قد انتُزعت منه، والانتقام لسجن ابنه بتهم فساد مالي.

وبصورة عامة، يعتبر المتشددون أن سر قوة إيران في المنطقة ينبع من أيديولوجيتها الثورية وقدرتها العسكرية على تطوير هذه الأيديولوجية من خلال توسيع عمقها الاستراتيجي على جبهتين: بالقرب من الحدود الإسرائيلية عبر التدخل في سوريا ولبنان، والتغلغل أكثر في الأراضي العراقية عن طريق الميليشيات الشيعية وأدوات أخرى.

وحققت هذه الحملة الدعائية القائمة منذ مدة طويلة نجاحًا باهرًا في السنوات الأخيرة لدرجة أنه حتى قاسم سليماني، قائد «قوة القدس» التابعة لـ «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» وبالتالي الشخصية المجسِدة لنزعة التدخل الأجنبي، أصبح بطلًا وطنيًا في نظر العديد من الإيرانيين.

وكما نقلت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية هذا الأسبوع، أدلى الجنرال بتصريحات تحريضية حول البحرين في 20 حزيران/يونيو، محذرًا البحرين من أنها قد تخطت الحدود من خلال الإجراءات التي اتخذتها بحق رجل دين شيعي بارز.

وفي معرض حديثه، أشار إلى أن معسكر خامنئي لن يعتمد على الدبلوماسية والتفاوض للتعامل مع الأزمات الإقليمية، بل أن «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» سيهمل حكومة روحاني عندما يتعلق الأمر بقضايا أساسية في الشرق الأوسط.

وفي الواقع، لطالما اعتبر المتشددون أن مسؤولية ردع العدو، حتى على طاولة المفاوضات، لا تقع على عاتق دبلوماسيي روحاني بل على مقاتلي “فيلق الحرس الثوري الإسلامي”.

وينسجم هذا الادعاء مع ميلهم إلى تضخيم خطر تنظيم “داعش” وربطه بالسعوديين والسلفيين. وفي نهاية المطاف، إن هذا الخطاب يساعد النظام على إظهار الدور الأمني الوطني الذي تلعبه «قوة القدس» و«فيلق الحرس الثوري الإسلامي» كونه أهم بكثير مما قد يكون في الواقع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع