النمو الثقافي في السعودية يتفوق على طموحات الاقتصاد بعيدة المدى

النمو الثقافي في السعودية يتفوق على طموحات الاقتصاد بعيدة المدى

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

تعيش السعودية منذ أكثر من عام نشاطًا ثقافيًا مزدحمًا في مواعيده وفعالياته، مع نجاح البلد الخليجي المحافظ في تجاوز عقود من الانغلاق في وقت زمني قصير، والتحول لقبلة ثقافية تجذب أنظار المثقفين من داخل المملكة وخارجها لمتابعة أحداث ثقافية من الصعب تفويتها.

وخلال نحو عام واحد تقريبًا، نجحت السعودية في تجاوز الصورة النمطية المحافظة المعروفة عنها في أذهان العالم، وجذبت أنظار الملايين لمتابعة سلسلة من الفعاليات الثقافية المتنوعة التي أحيتها رموز ثقافية من مختلف دول العالم التي يصعب على كثير منها تنظيم فعاليات مماثلة.

وثمة اعتقاد واسع في البلاد أن النمو الثقافي الذي شهدته المملكة في الفترة القليلة الماضية وصل لأعلى مستوى يمكن أن تصله طموحات القائمين على القطاع الثقافي في المملكة، بالنظر لعدد الفعاليات التي شهدتها المملكة والأسماء الثقافية والفنية اللامعة التي زارتها والجمهور العملاق الذي حضر كل تلك الفعاليات.

لكن رئيس الهيئة العامة للثقافة، أحمد المزيد، قال الأسبوع الماضي لعدد كبير من الصحفيين الذين شاركوا في نقاش واسع عن مستقبل الثقافة في المملكة: إن لدى الهيئة الحكومية إستراتيجية تتواءم مع ”رؤية 2030“ وخططًا سنوية، بحيث أن لكل عام خططًا وبرامج مستقلة وتنفذ في وقتها.

ويستعد أكبر بلد خليجي لمزيد من الفعاليات غير المسبوقة بالفعل مع افتتاح صالات عروض سينمائية في الفترة المقبلة بعد السماح بها أخيرًا، بجانب سريان قرار السماح للنساء بقيادة السيارات بعد أشهر قليلة فقط، والذي ينتظر أن يغيّر من المشهد العام في شوارع وأسواق المملكة، عندما تتمكن النساء من التنقل بمفردهن وبسياراتهن الخاصة وحضور الفعاليات الثقافية المتواصلة والمشاركة فيها.

لكن أي فعاليات ثقافية مقبلة مهما كانت طبيعتها لم تعد تشكل مفاجأة للمتابعين للشأن الثقافي السعودي، الذي شهد فعاليات متنوعة في الفترة الماضية واستضاف أسماء لامعة في عالم الثقافة بمختلف تصنيفاتها، من موسيقى ومسرح وشعر وأدب، بعد أن كان مجرد تخيل حدوثها في السعودية ضربًا من ضروب الخيال.

وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي أحيا الموسيقار العالمي ياني سلسلة حفلات فنية في السعودية لأول مرة في تاريخه الحافل بالشهرة وسط حضور جماهيري لافت، وهكذا كان الأمر بالنسبة لمختلف فروع وتقسيمات الثقافة التي حضر مشاهيرها للسعودية وبينهم فنانون وفنانات من عالم الغناء.

وكانت مشاركة امرأة بأمسية شعرية في السعودية حدثًا يثير الجدل على الدوام حتى ما قبل عامين تقريبًا، قبل أن تدور عجلة التغيير بدفع من قادة المملكة الذين أعلنوا رسميًا التخلي عن التفسيرات الدينية التي قيّدت المجتمع في العقود الأربعة الماضية، وتبني تفسيرات أكثر تحررًا كانت متبعة قبل تلك الحقبة المعروفة باسم ”الصحوة الدينية“.

واختتمت في مدينة الرياض قبل أيام فعاليات ثقافية متنوعة رافقت معرض الرياض الدولي للكتاب الذي لم يعد الحدث الثقافي الوحيد في المملكة، حيث لا تغيب النشاطات الثقافية عن مدنها من معارض كتب أخرى ومسرح وشعر وأدب ومحاضرات متنوعة.

ولم يعد يمر شهر في المملكة دون حدث ثقافي كبير في البلاد، فالشهر الماضي كان مهرجان الجنادرية الثقافي واسع الشهرة الوجهة الأبرز للسعوديين والمقيمين، فيما كان مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل ذو الفعاليات الثقافية والتراثية الوجهة الأبرز للسعوديين والخليجيين عمومًا في يناير/كانون الثاني الماضي، وقبله استقطب معرض جدة للكتاب الأنظار بفعاليات ثقافية لافتة.

وينكب قادة البلاد منذ العام 2016 على تنفيذ بنود ”رؤية السعودية 2030“ التي تهدف لإحداث تغييرات شاملة في الاقتصاد السعودي، وتحويله للتنوع بدل اعتماده على النفط فقط، بجانب تفاصيل عديدة مثل توفير مساكن للسعوديين وتخفيض نسبة البطالة المتفاقمة بين الشباب السعودي.

ولا تؤتي الخطة نتائجها المرجوة بالكامل إلا في نهايتها، أي في العام 2030، حيث تستهدف على سبيل المثال تخفيض نسبة البطالة في ذلك العام إلى 7% من نحو 12% حاليًا، وينطبق الأمر ذاته على نسبة مالكي المنازل وزيادة دخل البلاد غير النفطي لأرقام مستهدفة محددة.

ورغم أن الخطة تشمل جوانب ثقافية واجتماعية بجانب التغيير الاقتصادي، إلا أن أغلب تلك التغييرات تحقق بالفعل من الآن باعترافات النخب الثقافية السعودية والعربية والعالمية التي بدأت تنظر للسعودية كقبلة ثقافية بالفعل، فيما يعتبرها المستثمرون في القطاع الثقافي سوقًا واعدة بدأ كثير منهم دخولها.

وترى الشاعرة السعودية هدى الدغفق، وهي أحد الأسماء المعروفة في الوسط الثقافي السعودي، أن ”الثقافة السعودية وصلت إلى مناخاتها المأمولة حاليًا بعد توفير مناخ صحي أوجده القرار الرسمي بتحجيم صلاحيات المتطرفين دينيًا“، في إشارة لسلطة رجال الدين الذين يتبعون تفسيرًا محافظًا للشريعة الإسلامية ولا يطبق في غالبية بلدان العالم الإسلامي.

وتعزي الدغفق الازدهار الثقافي السريع في بلادها في حديثها مع ”إرم نيوز“ إلى ”كفاح المثقفين السعوديين ومقاومتهم تيار التطرف والتصدي الفكري لما ليس بصحي فكريًا ولا هو مقبول ثقافيًا وإنسانيًا“، في فترة سطوة التيار الديني عندما كان رجاله يستطيعون اقتحام أي فعالية ثقافية وتعطيلها بحجة مخالفتها لتفسيرهم للشريعة الإسلامية المطبقة في المملكة.

وكان لافتًا في غالبية الفعاليات الثقافية التي شهدتها المملكة في فترة الانفتاح التي بدأت فعليًا منتصف العام 2016 بتحجيم صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الإقبال الجماهيري الكبير على تلك الفعاليات من مختلف الشرائح ومن الجنسين، في مؤشر على وجود شريحة وقاعدة جماهيرية ثقافية بالفعل أشارت لها الشاعرة والكاتبة الدغفق.

وفاجأ الجمهور السعودي في الفعاليات الثقافية المتنوعة، المتابعين والكتاب ومعدي التقارير الثقافية في الصحافة العربية والعالمية التي تراقب التغيير في المملكة عن كثب، خصوصًا في ظل انضباطه وتفاعله اللافت كما لو كان معتادًا على الحضور على الدوام.

وقال الموسيقار العالمي ياني في ختام أول حفلة أحياها في مدينة جدة أمام أكثر من ألفي شخص من الجنسين: ”ليلة لا تصدق، هناك دومًا مرة أولى واحدة، وشهدنا الليلة الكثير من المرات الأولى بالنسبة للسعودية، الجمهور سلب قلوبنا بالحب والحماس والشغف“.

ورغم كل ذلك الألق الثقافي الذي تعيشه المملكة، قال رئيس هيئة الثقافة، أحمد المزيد، في محاضرة بعنوان ”السياسة الثقافية السعودية“ نظمها ”مركز الإعلام والدراسات العربية- الروسية“ في الرياض: إن الهيئة المكلفة بالإشراف على الملف الثقافي في البلاد تعمل على وضع رؤية عميقة ودقيقة وإستراتيجية شاملة، تسعى إلى تحفيز الثقافة في المملكة وتحديث القطاع الثقافي من خلال إيجاد حلول جذرية لحل العوائق التي تواجهه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com