بسبب العنصرية والتضخم.. تفاقم الهجرة العكسية من أوروبا

بسبب العنصرية والتضخم.. تفاقم الهجرة العكسية من أوروبا

لم يتصور أي لاجئ في يوم ما أن يعود ليسلك طريق الموت مرة أخرى، بعد أن نام في البحر، وتماهى مع الطبيعة ليتوارى عن أنظار من يعيده إلى طريق الموت هذا من حرس حدود أو شرطة.

وها هو يعود اليوم بقدميه إلى هذا الطريق، سالكاً هجرة عكسية نحو الوطن الذي هرب منه، أو وطن جديد يبحث فيه عن أمل.

وزادت الهجرة العكسية مؤخراً بشكل كبير من الدول الأوروبية نحو تركيا والبلدان العربية، وأيضاً بهجرة غير شرعية وبشكل غير قانوني، وفي بعض الأحيان في رحلات أطول على طول طريق العودة إلى سوريا والعراق والدول التي تعاني من الحروب والويلات.

وتنوعت الأسباب بين ما يتعرض له اللاجئ من صعوبات في الاندماج، وبين ما يواجهه من بيروقراطية وأخطاء هيكلية وتنظيمية وأحكام مسبقة مرتبطة بالعرق والجنس، إضافة لما يلاقيه العرب من ممارسات إقصائية وعنصرية يرعاها اليمين المتطرف والأحزاب العنصرية.

تنوعت أسباب الهجرة العكسية من أوروبا، ومنها صعوبات الاندماج والبيروقراطية والأخطاء الهيكلية والتنظيمية والأحكام المسبقة المرتبطة بالعرق والجنس.

لم تعد بلاد الحلم

"إذا وصلت، سأشكر الله والقدر كل يوم على هذه النعمة".. عبارة قالها عباس م. (28 عاماً) منذ 3 أعوام عندما رأى شط اليونان قادماً من تركيا، واليوم يركب قارب الموت مرة ثانية في نهر إيفروس بين اليونان وتركيا، ليكتب رحلة تهريب جديدة.

وقال عباس، وهو سوري الجنسية، لـ"إرم نيوز": "كنا نراها بلاد الحلم، فأتينا لنواجه العنصرية وعدم التقبل ونُصاب بأمراض نفسية نحاكي بعدها أنفسنا ونحن نسير في الشارع".

وأصيب عباس باضطراب ما بعد الصدمة، وصدمة ثقافية بعد أن وصل إلى السويد، نتيجة ما تعرض له من صعوبة التأقلم والاندماج مع الحياة الجديدة، وأصبح يعاني من حالة نفسية سيئة وأرق شديد، إضافة للكوابيس المرتبطة بذكريات حياته القديمة في لبنان.

وأضاف الشاب الذي كان يعمل ممرضاً في لبنان: "أصبحت أكره الليل والنوم، وأقضيه أسير في الشوارع أكلم نفسي، لأن الليل أصبح عنواناً للمعاناة والقلق. أقضي ساعات الليل وأنا أستحضر ذكريات الأيام الجميلة في لبنان، وأتحسر على الواقع الذي أعيشه، وأفكر في ضرورة العودة".

قوافل كبيرة بالطريق المعاكس

وكشف المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين في السويد أن 50 ألف شخص هاجروا بشكل عكسي من البلاد عام 2022، خاصة بعد انتشار جرائم خطف الأطفال واشتداد ممارسات "السوسيال"، فيما غادر حوالي 4000 لاجئ البلاد دون إخطار قبل عامين.

وفي الدنمارك، ألغى حوالي 10 آلاف شخص العام الماضي طلبات لجوئهم، ومن ألمانيا التي تحوي أكبر عدد من اللاجئين، يعود كل عام حوالي 50 ألف لاجئ، ومثل هذا الرقم تسجله السويد أيضاً.

وكشفت المنظمة الألمانية المؤيدة للهجرة، برو أسيل، تعرض العديد من المهاجرين الرافضين للاندماج والحياة الجديدة لأمراض نفسية وانتكاسات صحية كبيرة، وفي بعض الأحيان لنوبات قلبية.

وتابع عباس حديثه لـ "إرم نيوز": "لم أتمكن من التأقلم مع المجتمع هنا، لأنه قائم على الإقصاء والعنصرية والصرامة في تطبيق القوانين، إضافة لإغلاق الباب أمام لم شمل عائلاتنا، لذلك سأعبر مجدداً ومن نفس الطريق (طريق الموت) لأنعم بالراحة النفسية هناك، مهما كان وضع لبنان سيئاً".

عشرات الآلاف من الأوروبيين تركوا بلادهم هذا العام وتوجهوا إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
الغارديان

الأزمة الاقتصادية

بدوره، قال علي السعيّد (44 عاماً) لـ"إرم نيوز": "وصلت إلى بريطانيا منذ عامين تهريباً عبر بحر المانش، وكانت البلاد في عظمتها التجارية والثقافية، لكن تردي الأوضاع الاقتصادية بعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا استنزفتها بشكل كبير ولم تعد كما كانت".

وأضاف السعيّد، وهو فلسطيني الجنسية: "كنت أعمل كمساعد مهندس في شركة بناء بتركيا، وقررت السفر إلى بريطانيا حتى أطور نفسي، لكنني لم أجد ما كنت أطمح إليه، وتدهورت أوضاعي المالية بشكل كبير بعد الحرب الروسية، واليوم أنا أعتزم العودة إلى تركيا".

ويرى السعيّد في السوق التركية اليوم عامل جذب كبيرًا لسيرته المهنية في أعمال البناء خاصة بعد الزلزال الذي أصاب البلاد هناك، والحاجة في سوق الإعمار والبناء، فيما يرى في بريطانيا شح الفرص، وصعوبة الاندماج، إضافة لاعتبارات دينية وعرقية.

وتابع: "أنا كفلسطيني في بريطانيا دائماً مواطن درجة ثانية، وهذا الحاجز العرقي سيقف عائقاً أمام أفقي وطموحاتي، إضافة لصعوبة تأقلم العائلة مع التحرر هنا، حتى داخل المجتمعات العربية الصغيرة، هناك ما يكفي من التجاوزات والانحلال".

وينوي السعيّد السفر إلى تركيا عبر التهريب مجدداً، ويفكر في التهريب جواً، لكن مدخراته التي شارفت على الانتهاء بعد الأزمة الاقتصادية لن تكفي، لذلك سوف يتواصل مع مجموعة من المهربين ليخطط لتغريبته الجديدة.

وختم السعيّد حديثه بالقول: "أسعار التهريب بشكل معاكس أقل، لكن المهربين لا يرحمون أحدا، ومستعدون لاستغلال أمهاتهم. لكنني سأمضي في رحلتي إلى تركيا، وسأترك أوروبا لأهلها وللواهمين بأنها بلاد الحلم".

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية كشفت أن عشرات الآلاف من الأوروبيين تركوا بلادهم هذا العام وتوجهوا إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وتركزت وجهاتهم الجديدة نحو بيرث الأسترالية، وبيونس إيرس وريو دير جينيرو.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com