قصة التغريدة التي أربكت أردوغان و“لطمت“ أحلامه العثمانية

قصة التغريدة التي أربكت أردوغان و“لطمت“ أحلامه العثمانية

المصدر: إرم نيوز

صباح يوم السبت الماضي، رفع الدكتور علي العراقي، طبيب الأسنان الذي يعمل في ألمانيا، تغريدة على صفحته في ”تويتر“ التي يستخدمها في كثير من الأحيان لنشر بعض جهده البحثي، تحت عنوان، ”هل تعلم“.

التغريدة جاءت في سياق ردود النشطاء العرب، على الضخ الإعلامي الذي تتولاه الأجهزة التركية في ألمانيا، مثلما في العالم العربي، للترويج لسياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي فتحت جبهات إقليمية ودولية ذات طابع استفزازي استدعى ردوداً قاسية باللغة نفسها.

واستذكر الطبيب العراقي أنه في عام 1916 قام التركي فخري باشا بجريمة بحق أهل المدينة النبوية، فسرق أموالهم وقام بخطفهم وإركابهم في قطارات إلى الشام، وإسطنبول برحلة سميت ”سفر برلك“. كما سرق الأتراك مخطوطات المكتبة المحمودية وأرسلوها إلى تركيا، واختتم تغريدته بالقول: ”هؤلاء أجداد أردوغان وتاريخهم مع المسلمين والعرب“. وكان في ذلك يُذكّر أن التاريخ التركي مع الدول العربية ليس فيه من مواضيع القدس والدين سوى المظلة المذهبية.

عبدالله بن زايد وقول على قول

ما نشره طبيب الأسنان العراقي معلومات تاريخية موثقة لدى ذوي الاختصاص، ومثلها مجزرة التعليق على المشانق التي اقترفها الأتراك العثمانيون في ساحة المرجة بوسط دمشق بآخر أيام دولتهم، ضد نشطاء العمل القومي العربي الذين كان يطالبون بالاستقلال والحرية.

التغريدة التي كان يمكن أن تمر مر سحابة الصيف العابرة، يبدو أنها لفتت نظر وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، فأعاد تغريدها على صفحته في ”تويتر“، ربما لأنها تتوافق مع ما كان أعلنه قبل حوالي ثلاثة أشهر؛ من أن الوجود التركي في سوريا هو استعمار مماثل للوجود الإيراني هناك.

شحنة التفاعل السياسي

إعادة تغريد ما كتبه الدكتور العراقي على صفحة الشيخ عبد الله بن زايد، شحنت المعلومة التاريخية بقوة انتشار سياسي، فتحت على الرئاسة التركية نافذة إطلالة على شبكة من الأزمات التي يعيشها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وجعلته حسب وصف صحيفة ”دير شبيغل“ الألمانية ”أكبر عدو لنفسه“.

مصادفة نشر المعلومة التاريخية بما فيها من توثيق للسرقات العثمانية للأراضي العربية قديمًا وحاليًا، أوجعت -فيما يبدو- الرئيس التركي، وحوّلت الموضوع إلى ”لطمة Slap“ حسب وصف اتفقت عليه الصحف التركية الثلاث (بالإنجليزية) ديلي صباح، وحريت، ويني شفق.

أما الصحف الغربية، ”واشنطن بوست“ الأمريكية و“الإندبندنت“ البريطانية وعديد الصحف الألمانية، فقرأت في ردّة فعل الرئاسة التركية ما هو أبعد من نزق اللجوء إلى تعابير ”اعرف حدودك“ و“جدودي أفضل من جدودك“.

ضربة على عصب الحلم السلطاني لأردوغان

رأت تلك الصحف المقروءة في الشرق والغرب أن الضربة التي تلقاها أردوغان من فتح الحديث الآن عن جرائم الإرث العثماني الذي يريد إحياءه، أن الرجل (أردوغان) يخضع حالياً لحصار خارجي ومعارضة داخلية يضعانه في مزاج سياسي متوتر لم يحتمل معه أن يتلقى ضربة في عصب الحلم السلطاني الذي أمضى حياته السياسية يعمل له.

صحيفة ”الإندبندنت“ وفي عرضها لمبررات وظروف رد الفعل المرتبكة التي صدرت من طواقم الرئاسة التركية على التغريدة المعاد بثها، أشارت إلى المحاولة الأخيرة التي أراد منها أردوغان تعزيز دعواته لإحياء السلطنة العثمانية، وهي رئاسته للمؤتمر الإسلامي في نطاق ارتدادات بيان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول القدس.فقد فشل المؤتمر في أن يضع برنامج عمل للمتابعة، كما جرى التسجيل على أردوغان أنه، مرة جديدة، يتراجع عن وعوده أو تهديداته لإسرائيل وقطع علاقاته السياسية معها.

ففي التغريدة إنعاش للذاكرة القومية بأن العثمانيين كانوا مستعمرين لم يتورعوا عن نهب الأموال العربية والوثائق الإسلامية، بقوة بطش الانكشارية القديمة والجديدة.

التلفزيون التركي كان بث أخيرًا خريطة للدولة التركية تشمل أجزاء من شمال العراق وسوريا، في إشارة جعلت مجلة ”فورين بوليسي“ الأمريكية تستحضر طموحات أردوغان بأن يستثمر دعواته بشأن القدس لخدمة حلمه بأن يكون ضمن الوصاية على القدس، وأي تدويل للمقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، كما روجت له إيران وقطر.

”حاميها حراميها“

صحيفة ”ديلي صباح“ التركية، توسعت في عرض قول أردوغان أمام ”المخاتير“ (عمداء الأحياء)، يوم الثلاثاء، أن الوثائق الإسلامية التي أخذها الأتراك ولا زالوا يعرضونها في متحف ”توب كاب“ ومنها مفاتيح الكعبة والعلم النبوي وقوس وسهم الرسول وشعيرات من لحيته الطاهرة إنما هي من باب ”الاحتياط والحماية، مصداقًا للمقولة الشعبية ”حاميها حراميها“.

مسرحية الانقلاب وغسيل أموال طهران

وسجلت مواقع إخبارية ألمانية، أن التغريدة جاءت في توقيت تتعرض فيه صورة أردوغان الدولية إلى تشظية قاسية من زواياها الأربع، في وقت كان فيه الإعلام الأوروبي يتابع هروب 32 عالماً وطبيباً تركياً إلى اليونان طالبين اللجوء، مذكرّين في ذلك أن مسرحية الانقلاب السياسي، العام الماضي، والتي وظّفها أردوغان لإعادة هيكلة سلطانه الداخلي، لم تنته حتى الآن، وأن هروب النخب التركية، عسكرية أو أكاديمية أو اقتصادية ما زال مستمراً.

يضاف إلى حرج مصادفة التوقيت للتغريدة، كما تستشعره الرئاسة التركية، أن الإعلام الأمريكي منشغل منذ ثلاثة أسابيع بحيثيات المحاكمة التي ورد فيها اسم أردوغان ضمن قصة غسيل أموال إيرانية جرت أحداثها ما بين 2010 – 2015.

فتاجر الذهب التركي الإيراني، رضا ضراب، وضمن شهادته أمام محكمة أمريكية تنظر في موضوع خرق المقاطعة لإيران، أورد تفاصيل عن تورط أردوغان وأحد وزرائه في صفقات غسيل أموال إيرانية، وهي قصة متحركة شديدة الوقع الدولي، لم يجد أردوغان ما يردّ به عليها سوى الإيعاز بمصادرة أموال تاجر الذهب رضا ضراب.

ثمن انحياز أردوغان لقطر

وكالات أنباء رويترز واسوشيتد برس، وفي تغطيتها لردود الفعل التركية على التغريدة، سجلت أنها ردود فعل تتوافق زمنيًا مع أزمة قطر، التي شكّل فيها موقف أردوغان انحيازاً للدوحة إلى حد اقتراف خطيئة الاستعراض العسكري في دعم النظام القطري، ومحاولته اختراق وتفتيت الجبهة العربية التي تشكلت لمحاربة الإرهاب ومواجهة التمدد الإيراني في الشرق الأوسط.

سفانتس كورنيل مدير مركز دراسات ”طريق الحرير“ في معهد وسط آسيا وصف المآل الذي انتهى إليه أردوغان في انحيازه لقطر ورعايته لتنظيمات موصوفة بالإرهاب، مثل الإخوان المسلمين، بأنه ”مأزق عالي الكلفة على المصالح والسياسة التركية، التي لم تستطع تحصيل عضوية النادي الأوروبي والتي لن يكون سهلًا عليها أن تجدد طموحاتها السلطانية باتجاه الدول العربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة