مظاهرة مؤيدة لإسرائيل في فرنسا
مظاهرة مؤيدة لإسرائيل في فرنساأ ف ب

"لوموند": هجوم حماس يفاقم مخاوف اليهود في فرنسا

نشرت صحيفة "لوموند" تقريرًا تناولت فيه معاناة الجالية اليهودية في فرنسا منذ فترة طويلة من مشاعر العزلة والخوف، ولا سيما في مواجهة موجة متزايدة من معاداة السامية.

وأدت الأحداث الأخيرة، بما في ذلك هجوم حماس ضد إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول، إلى تفاقم هذه المخاوف، ما ترك اليهود الفرنسيين يبحرون في مشهد معقد من الهوية والتضامن والمواقف السياسية.

آنا، يهودية فرنسية تبلغ من العمر 38 عامًا، تجسد بوضوح التحديات التي يواجهها الكثيرون في المجتمع، خلال المظاهرة الأخيرة في باريس، وقفت بعيدًا عن الحشد، وذراعاها متقاطعتان، وبتعبير يبدو متجمدًا.

وكانت آنا ترددت لفترة طويلة قبل أن تقرر المشاركة في التظاهرة، لعدم انحيازها الكامل للشعار السياسي الداعي إلى "التضامن مع إسرائيل".

امرأة تسير بجوار مبنى عليه نجمة داود في باريس
امرأة تسير بجوار مبنى عليه نجمة داود في باريسأ ف ب

كانت تحمل حبًا غير مشروط لإسرائيل لكنها لم تدعم سياسات الحكومة اليمينية الإسرائيلية، إذ يعكس صراع آنا الداخلي المعضلة الأوسع التي تواجه اليهود الفرنسيين.

وكما تشرح، فإن التعبير عن حزنها بشأن هجوم حماس الأخير بدا خارج الحدود، لأنه كان يخاطر بتفسيره على أنه يتخذ موقفًا سياسيًّا محددًا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وسلط التقرير الضوء على الشعور بالعزلة والخوف من سوء الفهم المنتشر بين اليهود الفرنسيين، الذين يشعرون بأن الدولة والمجتمع قد تخلوا عنهم.

من جهته، أشار داني تروم، مدير الأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية والمتخصص في العالم اليهودي، إلى أنه تم إنشاء نظام استتبابي على مر السنين، موضحًا أنه كان لدى اليهود الفرنسيين ثقة في قدرة الدولة الفرنسية على حمايتهم من معاداة السامية، مع إيمانهم المطلق بإسرائيل كخيار احتياطي إلا أن هذا التوازن تحطم بسبب هجوم حماس، إذ لم تعد دولة اللجوء في إسرائيل خيارًا آمنًا.

ولفت التقرير إلى أنه منذ هجوم الـ7 من أكتوبر، تم تسجيل أكثر من 1000 عمل معاد للسامية في فرنسا، ما أدى إلى اعتقال ما يقرب من 500 شخص، وفقًا لجيرالد دارمانين، وزير الداخلية الفرنسي.

أخبار ذات صلة
تصاعد معاداة السامية ورهاب الإسلام في لندن بعد حرب غزة

ورغم هذه التدابير، فقد يشعر القادة داخل المجتمع اليهودي بوجود نقص في "الكلمات القوية" ضد معاداة السامية في المجتمع المدني، ولاسيما في الأوساط الفنية والرياضية، بحسب التقرير. فيما أعرب كبير حاخامات فرنسا، حاييم كورسيا، عن أسفه لغياب الأخوة والتعاطف في المجتمع، مؤكدًا أن مشاعر العزلة والهجر لها جذور تاريخية عميقة.

وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من اعتراف جاك شيراك بمسؤولية الدولة الفرنسية في اعتقالات فيل ديف في عام 2002، إلا أن وزراء الداخلية في الماضي كثيرًا ما حافظوا على إشارات رمزية تجاه الجالية اليهودية، دون اتخاذ أي إجراءات جوهرية.

وتابع التقرير أنه في عام 2016 فقط، بعد حادثة احتجاز الرهائن في هايبر كاشير، قال رئيس الوزراء آنذاك مانويل فالس: "لولا يهود فرنسا، لن تكون فرنسا فرنسا"، كان هذا الإعلان بمثابة نقطة تحول في كيفية شعور المجتمع اليهودي بأنه مسموع ومحمي من قبل الدولة.

معاداة السامية

ومع ذلك، فإن تفشي معاداة السامية في فرنسا، والذي يرتبط عادةً بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، استمر في التصاعد، إذ أدت كل حلقة، من الانتفاضة الثانية في عام 2000 إلى الأحداث في عامي 2014 و2021، إلى تصاعد في الحوادث المعادية للسامية.

وبحسب التقرير تسهم مجموعة متنوعة من العوامل في هذه الظاهرة، بما في ذلك استيراد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ودمج اليهود والإسرائيليين، وتماهي المسلمين مع الفلسطينيين، مبينًا أن تصاعد معاداة السامية لا يقتصر على مجموعات سياسية أو اجتماعية محددة، ويمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وغالبًا ما يتنكر في صورة معاداة الصهيونية.

بدوره، أكد يوناتان عرفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا "CRIF"، أنه من الضروري التمييز بين إدانة معاداة السامية واتخاذ موقف من السياسات الإسرائيلية.

ويشكل هذا التوازن الدقيق تحديات أمام الجمعيات اليهودية الفرنسية، إذ تظل مسألة متى ندعم إسرائيل ومتى ننتقد تصرفات حكومتها من الأسئلة المعقدة.

الخطوط غير واضحة

من جانبه، سلط صامويل ليجويو، رئيس اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا، الضوء على أهمية التعبير عن التضامن مع إسرائيل في مواجهة الإرهاب، دون تأييد بالضرورة لسياسات الحكومة الإسرائيلية، ومع ذلك، فإن تحقيق هذا التوازن قد يكون أمرًا صعبًا.

يشار إلى أن الخطوط كانت غير واضحة في كثير من الأحيان بين إسرائيل والجالية اليهودية وتشكل مصدرًا للجدل.

في حين يرى بعض النقاد بأن منظمات مثل "CRIF"، المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، تساوي عن غير قصد الدعم لإسرائيل مع الدعم لتصرفات الحكومة الإسرائيلية، ما أدى هذا إلى الارتباك، وفي بعض الحالات، إلى التردد في دعم قضايا الطائفة اليهودية.

وأوضح التقرير أن دور المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا تطور على مر السنين، في البداية، كان هدفها تمثيل الجمعيات اليهودية في فرنسا، لكنها ظلت غير معروفة نسبيًّا وسرية.

اعتقال متظاهر مؤيد للفلسطينيين بعد بدء الحرب على غزة في باريس
اعتقال متظاهر مؤيد للفلسطينيين بعد بدء الحرب على غزة في باريسرويترز

ولعب ثيو كلاين، وهو شخصية كاريزمية، دورًا محوريًّا في رفع مكانة CRIF وترسيخه كممثل للمجتمع اليهودي، ومع ذلك، فإن الارتباط الوثيق لـ CRIF بإسرائيل قد غذى الصور النمطية المعادية للسامية، مثل فكرة أنها تمثل لوبي الدولة الإسرائيلية.

أدى تحول "CRIF" إلى اليمين في عام 2001، تحت قيادة روجر كوكيرمان، إلى تعطيل الحوار مع السياسيين والجمعيات اليسارية، ما أسهم في عزلة المجتمع اليهودي.

في عام 2022، أطلق يوناتان عرفي، الذي تولى رئاسة CRIF، منظورًا أكثر ليبرالية، وانتقد علنًا الإصلاحات الدستورية غير الليبرالية في إسرائيل؛ ما يشير إلى الابتعاد عن مواقف أسلافه.

ومع ذلك، لا تزال صورة "CRIF" مستقطبة، إذ ينظر إليها البعض على أنها بوق للحكومة الإسرائيلية والبعض الآخر كممثل لليهود الفرنسيين.

ويواجه المجتمع اليهودي التحدي المتمثل في التمييز بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية والدعم الثابت لوطنهم.

وختم التقرير، أن تحقيق هذا التوازن يظل بمثابة صراع مستمر إذ يتنقل اليهود الفرنسيون في تضاريس معقدة وسط خلفية من تصاعد معاداة السامية، مؤكدًا الحاجة إلى دعم مجتمعي أوسع يزداد إلحاحًا مع مرور كل يوم.

المصدر:صحيفة "لو موند" الفرنسية

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com