حي ”الشيخ مقصود“ في حلب.. تجسيد للعلاقات الشائكة بين قوات الأسد والأكراد – إرم نيوز‬‎

حي ”الشيخ مقصود“ في حلب.. تجسيد للعلاقات الشائكة بين قوات الأسد والأكراد

حي ”الشيخ مقصود“ في حلب.. تجسيد للعلاقات الشائكة بين قوات الأسد والأكراد

المصدر: رويترز

أوقف مقاتلون يرتدون ملابس عليها شارة النسر الأزرق التي تميز أفراد قوة الأمن الداخلي الكردية ”الأسايش“ سيارة أجرة وهي تهم بدخول حي ”الشيخ مقصود“ في مدينة حلب السورية للتحقق من أوراقها وتفتيشها بحثًا عن أي سلع مهربة، وعندما أشاروا للسيارة بالدخول إلى الحي الخاضع لسيطرة الأكراد فإنها كانت داخل المدينة لكنها غادرت فعليًا الجمهورية العربية السورية التي يقودها بشار الأسد.

وداخل ”الشيخ مقصود“ ترفرف الأعلام الكردية من على أسطح المنازل وتحل صورة زعيم كردي محل صورة الأسد، وقال سعاد حسن وهو سياسي كردي بارز إنهم لن يتخلوا عن الحي إلا إذا قُتلوا جميعًا.

وتتقبل الحكومة السورية بشكل عام الحكم الكردي لذلك الجيْب وتسمح بالتنقلات منه وإليه وهو ما يظهر استعدادها في الوقت الحالي على الأقل لقبول حركة كردية تتناقض رؤيتها لسوريا بشكل مباشر مع رؤية الحكومة لكنها ليست عدوتها اللدود.

لكن الخلافات بين من يديرون حي ”الشيخ مقصود“، الذي يقطنه 40 ألف نسمة، والحكومة، تشير إلى مشكلات مستقبلية محتملة.

والعلاقة بين الطرفين غير مستقرة وتعقدها شبكة من التحالفات والخصومات الدولية ستكتسب أهمية متزايدة مع انتزاع كل من الطرفين السيطرة على مزيد من الأراضي من قبضة تنظيم داعش المتشدد.

وروّجت الحكومة السورية لهزيمة مقاتلي المعارضة في حلب بوصفها أكبر نصر للرئيس في الحرب حتى الآن فهي عودة لسيطرة الدولة على مدينة كانت يومًا أكبر مدن البلاد.

لكن الأسد لم يتحرك لاستعادة السيطرة على ”الشيخ مقصود“ الذي يقع على تلة محاطة بمناطق يسيطر عليها الجيش، وليس هناك وجود عسكري حول الحي عدا نقطة تفتيش للجيش السوري على الطريق المؤدي إليه ويتنقل الكثير من عمال الحكومة والطلبة من داخل الحي إلى المدينة يوميًا.

ورغم ذلك شكا قادة في قوات ”الأسايش“ من أن نقاط التفتيش الحكومية تمنع دخول السلع والخدمات إلى داخل الحي.

 أيديولوجية يسارية

وفي غرفة داخل مقر ”أكاديمية المجتمع الديمقراطي“، في حلب، يحضر 15 رجلاً وامرأة محاضرة عن الفكر اليساري ونظام الحكم الفيدرالي الذي تتبناه وحدات حماية الشعب الكردية السورية.

ووقفت امرأة تتحدث، وأومأ المحاضران باستحسان قبل أن يصححا مفهومها عن مبدأ أساس.

وطغت على الغرفة صورة بحجم حائط بالكامل لـ“عبد الله أوجلان“ مؤسس حزب ”العمال“ الكردستاني المحظور في تركيا والرمز السياسي لوحدات ”حماية الشعب“ وللحزب الكردي السوري الرئيس وهو حزب ”الاتحاد الديمقراطي“.

وتحمل الكتابات على الجدران في حي ”الشيخ مقصود“ عدة إشارات لحزب العمال الكردستاني وأيضًا إلى ”آبو“. والملصقات المعلقة في الشوارع وتحمل صور القتلى لا تقتصر على من قُتلوا من صفوف وحدات ”حماية الشعب“ في سوريا بل أيضًا بعض من قُتلوا وهم يحاربون في صفوف حزب ”العمال“ الكردستاني في تركيا.

هذه الصلات بحزب العمال الكردستاني تقلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي كان من بين أسباب قراره بالتدخل في سوريا منع قيام دويلة كردية على حدود بلاده.

كما عقّدت تلك الصلات أيضًا من علاقة وحدات حماية الشعب بالولايات المتحدة التي تدعمها بوصفها في صدارة الحملة ضد ”داعش“ في سوريا لكنها في ذات الوقت تصنف حزب العمال الكردستاني منظمة ”إرهابية“.

وتخلّى الأكراد عن فكرة الاستقلال عن سوريا ويريدون دولة لا مركزية تنتخب فيها المجتمعات المختلفة مجالس محلية يقودها الرجال والنساء على حد سواء، بحيث تكون كل المجموعات العرقية والدينية ممثلة فيها.

ويقول منتقدون ”إن هياكل الحكم التي أسسوها وفقًا لذلك المفهوم في شمال سوريا أقل ديمقراطية مما تبدو عليه ويهيمن عليها مسؤولون يدينون بالولاء لحزب العمال الكردستاني“، لكن تظل رؤيتهم مناقضة لمفهوم الدولة السورية بقيادة الأسد التي تتسم بالمركزية وتؤكد الجذور العربية للبلاد.

وأشار وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى إمكانية التوصل إلى ما وصفها بمواءمة مع الأكراد وأشار الأسد إلى أنه يقبل حملهم للسلاح في الوقت الراهن، لكن الأسد تعهد أيضًا باستعادة السيطرة على كل شبر من البلاد ووصف الكيانات الكردية الحاكمة بأنها مؤقتة.

قتال

ومن الأسباب الواضحة لتسامح الأسد مع وحدات حماية الشعب الكردية عداء الوحدات لجماعات المعارضة التي تسعى للإطاحة به.

وكانت جبهة الأكراد ضد المعارضة ساعدت الأسد عندما استعادت قواته شرق حلب العام الماضي كما حرم قتال الأكراد ضد تنظيم داعش المتشدد من موارد كان من الممكن أن يستخدموها ضد الحكومة السورية.

واستفادت الحكومة السورية أيضًا من قلق تركيا من الصلات بين الوحدات وحزب العمال الكردستاني ويتركز تدخل تركيا في سوريا على احتواء النفوذ الكردي حيث تعتبر تركيا من أكبر الداعمين للمعارضة السورية.

وسمح الأكراد باستمرار جيوب تحت سيطرة الحكومة قرب الحسكة والقامشلي وهما مدينتان يسيطرون عليهما في شمال شرق سوريا لكنهم اشتبكوا أيضًا مع الجيش هناك.

وانتقد محمد علي وهو قائد الأسايش في الشيخ مقصود الحكومة السورية وقال:“ إنها كثيرًا ما منعت المرور من ”الشيخ مقصود“ إلى مناطق أخرى ومنعت دخول إمدادات إنسانية“، مضيفا أن سلوك الحكومة السورية خاطئ ويجعل منطقة ”الشيخ مقصود“ تبدو وكأنها منطقة عسكرية وليست مدنية“.

نقاط تفتيش

وقال علي :“ إن هناك مدرستين فقط ولا توجد أي مدارس ثانوية في ”الشيخ مقصود“ ويحتاج الصبية والبالغون الذين يعملون في مناطق أخرى من حلب إلى الانتقال إلى مناطق خاضعة للحكومة“، مشيرًا إلى أن نقطة التفتيش تفتح فقط من الثامنة صباحًا وحتى الخامسة مساء في الصيف وحتى الثالثة مساء في الشتاء.

 وتأتي كل الإمدادات من الخارج ومنها الغذاء والدواء والوقود المخصص لمولدات الكهرباء والمطلوب أيضًا لتشغيل المضخات التي ترفع المياه من الآبار.

وقال بائعون:“ إن المنتجات في أسواق الشيخ مقصود تشترى جميعها كل يوم من سوق للفاكهة والخضراوات وسط حلب لكنها تخضع لرسوم قدرها 50 ليرة (0.10 دولار) للكيلوغرام الواحد عند نقطة التفتيش“.

وتبعد منطقة ”الشيخ مقصود“ نحو 17 كيلومترًا عن ”عفرين“ أقرب منطقة يديرها الأكراد، ويستطيع المدنيون المرور دون صعوبات كبيرة لكن يتعذر ذلك على المقاتلين الأكراد، ويخاطر الشباب بالخضوع للتجنيد الإجباري عند نقاط التفتيش التابعة للجيش.

وقال علي إن نقاط التفتيش رفضت في بعض الأحيان دخول شحنات إلى ”الشيخ مقصود“ دون إنذار مسبق ودون إبداء أسباب ، مشيرًا إلى شحنة ديزل لم تحصل على إذن بالدخول مؤخرًا.

وأضاف أن نقاط التفتيش منعت أيضًا الشاحنات الثقيلة ومعدات البناء مثل الجرافات المطلوبة لرفع الأنقاض في المناطق المتضررة من الدخول.

اعتمادية

وفي الجناح الرئيس بالمستوصف الوحيد في ”الشيخ مقصود“ الذي كان مدرسة في السابق يرقد جندي بلا حراك ورجل مسن على سريرين معدنيين.

وكانت خزانة بلاستيكية أمام أحد الحوائط ممتلئة بمعدات ومستلزمات طبية قديمة وغير مرتبة، وكانت هناك حقيبة بلاستيكية للمهملات ممتلئة إلى نصفها ومفتوحة في زاوية وداخلها قفازات جراحية مستخدمة.

ولا يستطيع المستشفى إجراء عمليات جراحية  تحت التخدير ويوفر في الغالب فقط إسعافات أولية قبل نقل المرضى إلى مستشفيات خاصة في القطاع الخاضع للحكومة في حلب.

ويظهر الاعتماد الواضح على الصلات بمناطق حكومية في مناطق كردية أخرى من سوريا إذ تقع حدودها الأخرى مع تركيا والعراق.

ولا يوجد في ”الشيخ مقصود“ أثر للعلاقات بين وحدات حماية الشعب والولايات المتحدة لكن تمت  مشاهدة مركبة روسية مدرعة تسير ببطء على أحد الطرق.

وموسكو أكبر حليفة لسوريا في الحرب، ويعتقد الأكراد أن وجود قوات روسية في منطقة ”عفرين“ الكردية ساعد أيضًا في تفادي هجمات كردية محتملة هناك.

ومع ذلك يقول زعماء أكراد في ”الشيخ مقصود“ إنهم لا يرون سببًا لقبول سلطة دمشق إلا إذا رغب الأكراد في ذلك.

وقال محمد حاج مصطفى رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي في ”الشيخ مقصود“ إن نحو 30 إلى 40 في المئة من الأراضي السورية تحت سيطرة الأكراد، وإن إرادة الشعب هي الأقوى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com