الخليل… تاريخ ومعمار وقيم وضعتها على قائمة التراث العالمي

الخليل… تاريخ ومعمار وقيم وضعتها على قائمة التراث العالمي

المصدر: الأناضول

نظام معماري فريد، وأسلوب بناء غير مكرر عالميًا، وأماكن تاريخية كانت شاهدة على أحداث غيّرت مجرى التاريخ، كلها عوامل أهّلت مدينة الخليل الفلسطينية، لتكون إحدى المناطق المدرجة على لائحة التراث العالمي.

وأدرجت الخليل، الجمعة الماضية، على لائحة التراث العلمي، بعد أن صوتت 12 دولة أعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ”اليونيسكو“ خلال اجتماعها في بولندا، لمصلحة الطلب الفلسطيني المقدم بهذا الشأن.

ولقي القرار استنكارًا إسرائيليًا وأمريكياً، في حين اعتبرته وزيرة السياحة الفلسطينية نجاحًا فلسطينيًا جديدًا.

واعتُمدت الخليل ضمن لائحة التراث العالمي، بعدما تمكنت من إثبات 3 من المعايير التي أهلتها للانضمام للقائمة، بحسب علاء شاهين، رئيس قسم الدراسات والتخطيط في بلدية الخليل، ومدير مشروع تسجيل البلدة القديمة على لائحة التراث العالمي.

وقال شاهين:“ تشترط اليونسكو إثبات واحد من ضمن 6 معايير لإدراج المكان على لائحة التراث العالمي، لكننا تمكنا من إثبات 3 معايير في البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي لتكون ضمن اللائحة“.

وأضاف:“ المعيار الأول تمثل بوجود نموذج معماري فريد يرقى للمستوى العالمي مميز، وهنا تم الاستناد على نقطتين، وهو النظام المعماري للحرم الإبراهيمي، كبناء معماري فريد، عمره يزيد على ألفي عام، وشاهد على مراحل تاريخية مهمة أثرت على البشرية، بالإضافة إلى نظام ”الأحواش“ داخل البلدة القديمة“.

و“الحوش“ بحسب شاهين هو نمط معماري مميز يعكس الحالة الاقتصادية والاجتماعية، وهو عبارة عن ساحة تضم مباني أو وحدات سكنية للعائلة الممتدة (الجد والأبناء والأحفاد).

وما يميز ”الحوش“ العلاقة الاجتماعية بين السكان، مع العلم أن هناك أصولًا مختلفة للعائلات بالخليل، منها أصول من العراق والحجاز والمغرب، وبثقافات مختلفة، ومع ذلك عاشوا بترابط اجتماعي قوي جدًا، وهذا الأمر انعكس على البناء.

وتابع شاهين:“ عندما كان يحتاج الأب لبناء غرفة جديدة لابنه، كان يبنيها فوق سطح منزل جاره، ما جعل تركيبة المبنى معقدة، فملكية المبنى الذي بالأسفل تختلف عن الطابق العلوي، وعملية التنقل فيما بينها غريبة“.

ومضى بالقول:“ هذه البيوت محاطة بساحة حوش يربط بينها، فلكل عائلة حوش يمثلها، والحارة تضم عدة أحواش، وتربط العائلات فيها علاقات مميزة، وهذا أعطى جمالية ومزيجًا اجتماعيًا وخصوصية لمدينة الخليل“.

ولكونها مركزًا تجاريًا، كان مطلوب من الخليل أن تحمي نفسها، وبنفس الوقت أن تكون مفتوحة على العالم، ولذلك لا يمكن لها أن تكون محاطة بالأسوار، فاستطاع سكانها أن تكون مدينتهم مفتوحة على العالم، وبذات الوقت لم يبنوا الأسوار، فحموا أنفسهم من خلال العمارة، وجعلوا المباني متلاصقة، لها أبواب ومداخل محدودة داخل البلدة القديمة.

ويقول شاهين:“ من الصعب جدًا على الشخص الغريب أن يتدرج داخل البلدة القديمة، فقط أبناء البلدة من يحفظون معالمها ومداخلها ومخارجها جيدًا، فالطرق تتسع وتضيق في مناطق مختلفة، ولا يستطيع الغريب أن يتدرج داخلها“.

ويكمل شاهين وصف البلدة فيقول:“ من الممكن أن تذهب لحارة يسكنها 200 شخص، ويكون مدخلها عبارة عن باب صغير كأنه باب منزل أو مخزن، وهذا أسلوب معماري تم تصميمه لحماية البلدة كعنصر مفاجأة“.

وبالبلدة القديمة، شارع عام واحد فقط، فإذا داهمها الخطر وبلحظة واحدة، لن ترَ أي شخص بالشارع وقد دخلوا في ممرات أبواب مختلفة، في حين أن من يهاجمهم لن يستطيع معرفة المداخل أو المخارج، وهذا يعكس الإبداع بالعمارة والبناء داخل البلدة القديمة، وحرصهم على البقاء كمركز تجاري مفتوح، وهذا يعد منظومة فريدة غير مكررة بالعالم“.

ويتراوح عمر الحجر والمباني في البلدة القديمة بالخليل من 300-400 عام، وبنيت على الطراز المملوكي خلال العهد العثماني.

أما المعيار الثاني الذي استطاعت الخليل إثباته عالميًا، وفق مدير المشروع، فهو يندرج تحت مفهوم ”القيم“، ويوضح بالقول:“ وجود الحرم الإبراهيمي وأهميته الدينية وتأثيره على عادات وتقاليد وقيم أهل المنطقة للدخول ضمن القائمة“.

وحافظت الخليل على العادات والتقاليد والموروثات عبر مئات بل آلاف السنين، فالتكية الإبراهيمية لا تزال شاهدة على ذلك، وهي المقامة منذ عهد النبي إبراهيم عليه السلام، وتقدم الطعام للفقراء وعابري السبيل والغرباء عن البلدة، حتى اشتهرت الخليل بأنها ”المدينة التي لا يجوع فيها أحد“.

كما كانت الخليل في الفترة المملوكية مركزًا للطريقة الصوفية، ولا زالت البلدة القديمة تضم ما يزيد عن 15 من الزوايا الصوفية.

ويقول شاهين:“ كان طلبة العلم من مختلف مناطق العالم يأتون للخليل لطلب العلم والمشاركة في الزوايا الصوفية، عدا عن الروحانيات التي أكسبها الحرم الإبراهيمي للمدينة“.

وكان المعيار الثالث الذي استطاعت الخليل أن تثبته، هو ”وجود مبنى له أهمية عالمية“، والحرم الإبراهيمي كافٍ لإثبات هذا المعيار، فعمره ما يقارب ألفي عام، وكان شاهدًا على مراحل تاريخية هامة، ومرت عليه عصور وممالك وحكام، وهو شاهد على تسلسل تاريخي، بحسب مدير المشروع.

وقال:“ بقي الحرم محافظًا على خصوصيته، لوحده يمكن أن يؤهل الخليل لتكون مدرجة في لائحة التراث العالمي“.

واعتبر شاهين القرار إنجازًا دبلوماسيًا سيعمل على ”تثبيت الهوية الفلسطينية، وعنصرًا داعمًا في الحراك الدبلوماسي لتغيير الواقع السياسي للخليل والبلدة القديمة“.

كما عدّ القرار فرصة لتسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية للبلدة القديمة، التي تصل مساحتها إلى 2 كيلومتر، وفيها نحو 500 محل تجاري مغلقًا بقرار عسكري إسرائيلي، وأكثر من 100 عائق للحركة الطبيعية، من حواجز ونقاط تفتيش إسرائيلية وطريق مغلقة.

وأضاف:“ من هنا يمكن فضح الممارسات الإسرائيلية واعتداءاتها على هذا المكان والموروث الثقافي على مستوى دولي“.

وأشار إلى أن القرار سيكون أيضًا فرصة لتطوير آليات الحماية من أذرع اليونسكو المسؤولة عن وضع آليات الحماية من ناحية فنية، وتطوير آليات العمل ضمن معايير دولية، وفرص لتمويل مشاريع ترميم للمنطقة“.

كما سينعكس الأمر من ناحية اقتصادية على المدينة، فالخليل اليوم على قائمة المواقع السياحية بالعالم، وسيتم الترويج لها والتعريف بها عالميًا، وستكون منطقة سياحية ومقصدًا للسياح من كل العالم، ما سينعش القطاع السياحي فيها، وتكون فرصة للاستثمار بهذا المجال.

وعن رده على الموقف الإسرائيلي والأمريكي المعارض للقرار، قال:“ هذا الموقف كان متوقعًا، لكن العالم وقف مع الحق الفلسطيني، حصلنا على تصويت 12 دولة من أصل 21، مقابل 3 أصوات رفضت، و6 دول امتنعت عن التصويت“.

وتابع:“ الدول التي صوتت لصالح القرار، أكدت على أحقية الشعب الفلسطيني بهذه الأرض، وأبطلت مزاعم إسرائيل بحقها بالسيطرة عليها“.

ولفت إلى أن أهمية القرار، تنعكس من خلال ردة الفعل الإسرائيلية والأمريكية المعارضة، ومن خلال الحملة التي مورست قبل التصويت للضغط وتعطيل القرار، فقد سبقه حراك دبلوماسي كبير لمنع تمريره“.

وبدأ العمل على مشروع إدراج الخليل على لائحة التراث العالمي منذ عام 2009، بشراكة بين بلدية الخليل مع بلديتي بلفور وأركوي الفرنسيتين، كحملة دولية تم إطلاقها حينها، وتبعتها المشاركة بمحافل دولية ومؤتمرات وفعاليات عالمية، من بينها تركية.

وخرجت تلك المؤتمرات والفعاليات جميعها بتوصيات لإدراج الخليل على لائحة التراث العالمي، والترويج للبلدة القديمة والتعريف بالقيم التي تتميز بها المدينة.

واستغرق العمل بالملف لتقديمه لليونسكو عامين ونصف، وتم تسليمه عام 2012.

ويقول شاهين:“ كان الملف حينها جاهزًا فنيًا، لكن سياسيًا واصلنا الحراك، خاصة وأن فلسطين لم تكن عضوًا في منظمة اليونسكو، فلم يكن لديها الحق بتقديم الملف، ولكن بعد انضمامها تمكنا من تحقيق إنجاز وضع بيت لحم وبتّير على لائحة التراث العالمي، وبعدها جاءت مدينة الخليل“.

وأدانت إسرائيل القرار، وقال المتحدث بلسان خارجيتها عمانوئيل نخشون في بيان، ”هذه المنظمة غير ذات صلة.. العار على اليونسكو“.

في حين وصفت مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، قرار ”اليونسكو“، بأنه ”إهانة للتاريخ“.

وكانت فلسطين قد نجحت بإدراج مدينة بيت لحم وقرية بتير غرب بيت لحم عام 2014، في حين كانت مدينة القدس قد أدرجت منذ ثمانينات القرن الماضي بطلب أردني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com