أسير فلسطيني محرر يروي لـ“إرم نيوز“ قسوة تجربة الإضراب عن الطعام

أسير فلسطيني محرر يروي لـ“إرم نيوز“ قسوة تجربة الإضراب عن الطعام

المصدر: معتصم محسن –إرم نيوز

يخوض الأسرى الفلسطينيون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام كوسيلة للضغط على إدارة السجون التابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي، لاستعادة العديد من حقوقهم المسلوبة.

ويمر الأسرى خلال إضرابهم، بلحظات عصيبة يقتربون فيها من الموت في كثير من الأحيان.

ولتسليط الضوء على تلك اللحظات، ومدى آثارها السلبية والمراحل الصحية التي يمر بها المضرب عن الطعام، التقى ”إرم نيوز“ بالأسير المحرر محمد مصطفى عفانة، من مخيم قلنديا، والذي روى تجربته مع الإضراب والتي عاشها في بعض مراحل سجنه التي امتدت لـ 23 عامًا متواصلة، قبل أن يطلق سراحه العام 2014.

خطوة صعبة

ويقول عفانة: ”لا أستطيع أن أصف تلك الخطوة بمجرد كلمات، نظرًا لصعوبتها وآثارها الصعبة على المضرب عن الطعام، فالإضراب هو السلاح الأخير الذي يمكن استخدامه في سجون الاحتلال للمطالبة بتوفير أقل الحقوق“.

وعن خطوات الإعداد للشروع بالإضراب يوضح: ”مثل تلك الخطوة لا يتم الإقدام عليها إلا وقد درست بشكل جيد، حيث تجتمع لجنة مصغرة قبل الخوض بتلك الخطوة بما لا يقل عن أربعة شهور، يتم خلالها التشاور والإعداد ووضع الخطط والتقييمات مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي الخارجي، فإضراب دون دعم خارجي لا يسير كما هو مطلوب، فالظروف السياسية والخارجية تلعب دورًا في إنجاح الإضراب، كما نقوم بالتواصل مع عدة جهات قانونية وحقوقية وغيرها لإطلاعهم على تلك الخطوة“.

ويضيف: ”خلال تلك الفترة نعد نشرات توعوية للأسرى حول الظروف التي سيخضعون لها خلال الإضراب وكيف يمكنهم الاستمرار والحفاظ على طاقتهم قدر المستطاع، وما إلى ذلك من أمور توعوية صحية وتثقيفية، حيث يعد الاشتراك بالإضراب اختياريًا وليس إجباريًا، والأسرى المرضى يتم إعفاؤهم من خوض الإضراب إلا من يصر على ذلك“.

اليوم الأول

يصف عفانة اليوم الأول من الإضراب بـ“الأصعب، حيث نخرج كافة المواد الغذائية من داخل السجون، ولا يبقى سوى الماء والملح المسموح تناولهما في حالات الإضراب عن الطعام، وكنوع من العقاب والضغط الممارس من قبل إدارة السجون يتم تجريد الأسرى من كافة الأغطية وفرشات النوم واستبدالها ببطانيات قذرة وعفنة رائحتها نتنة، كذلك تقوم إدارة السجون بسحب الملح ومنعه عنهم، عدا عن التنقلات المستمرة التي تقوم بها بحق الأسرى، ومداهمات وحدات القمع المتتالية للغرف، كل ذلك بهدف إرهاق الأسرى والضغط عليهم لكسر إضرابهم“.

ويتابع ”في أول 3 أيام من الإضراب يصاب الأسير بآلام شديدة في منطقة الظهر والمنطقة السفلى من الجسم حيث لا يستطيع السير على أقدامه نهائيًا، إضافة إلى الجوع الشديد وتشنجات المعدة اللذين يصاب بهما، وبعد ثلاثة أيام تتلاشى تلك الآلام ليدخل الأسير بأوضاع مختلفة، وهذا يختلف من شخص لآخر من حيث طبيعة جسمه ومقدرته على التحمل، حيث يبدأ جسم الأسير بفقدان من 3 إلى 5 كيلو غرامات من وزنه خلال الأسبوع الأول من الإضراب، ومن هنا يبدأ الأسير بمراحل فقدان الوزن حيث يفقد يوميا ما نسبته 250 غرامًا من وزنه ، وهذا يختلف من أسير لآخر، فهناك من يخسر يوميًا نصف كيلو من وزنه، وتقوم إدارة السجون بوزن المضربين يوميًا للتأكد من أنهم لا يزالون على إضرابهم، فهم يتمنون أن يخل أحد الأسرى بالإضراب فيعتبروه بداية لضعفهم“.

تساقط الشعر

ومع مرور الأيام وابتداء من اليوم الخامس وحتى العاشر من الإضراب، يصاب بعض الأسرى بالضعف لدرجة أنهم لا يستطيعون شرب الماء، حيث يرفض جسمهم هذا الماء ويزيد شعورهم بالتقيؤ، فيخلد الأسير للنوم كثيرًا، ويبدأ شعر الرأس بالتساقط، وكذلك تتحفز حاسة الشم لدى المضربين عن الطعام حيث يستطيع الأسير أن يشم رائحة الأكل عن بعد مئات الأمتار، وهنا تلجأ إدارات السجون لاستفزاز الأسرى من خلال إقامة حفلات الشواء والأكل أمام السجون، لإضعاف عزيمتهم.

وبعد اليوم العاشر من الإضراب -بحسب عفانة- يدخل الأسير بأوضاع معاناة أخرى، حيث يصاب جسم المضرب عن الطعام بترهل وإرهاق شديد وفقدان للطاقة، فيبدأ الجسم بتحليل أنسجته ليتمكن من البقاء، وما بين اليوم الـ11 لغاية اليوم الـ19 تبدأ معاناة جديدة للأسير حيث تعود الآم الأمراض والإصابات التي عانى منها الأسير في السابق، وتصبح عنابر السجون أشبه بغرف إنعاش، وتكثر ساعات النوم لتصل إلى 17 ساعة يوميًا، وكذلك يفقد الأسير الشهية في تناول الملح أو الماء، ويزيد الإحساس بالبرد والقشعريرة، وأحيانا كثيرة يدخل الأسرى في مراحل الغيبوبة.

وتظل حالة الأسير المضرب عن الطعام في ترد مستمر وتدهور في صحته لتزيد سوءًا يومًا بعد يوم بالترافق مع التقيؤ المستمر وفقدان السمع والبصر، وتصبح احتمالية الوفاة كبيرة جدًا خصوصًا بعد اليوم الـ66 من الإضراب نتيجة للضعف الشديد في عضلة القلب.

وعن صمود الأسرى خلال الإضراب، يقول عفانة: ”خلال أيام الإضراب كنا لا نتوقف عن مواساة بعضنا البعض وتحفيز الهمم للصمود والبقاء صامدين مستمرين في معركتنا، فكما تعرف نفس الرجال يحيي الرجال، ومعركة الإضراب عن الطعام صعبة جدًا والمضي بها يعني الذهاب إلى المجهول“.

لكنه يؤكد أن ”الحركة الأسيرة لديها خبرة في هذا المجال وتعرف كيف تتعامل مع تلك الأوضاع، ويبقى الاعتماد على الدعم الشعبي الخارجي هو أمل الأسرى في تحقيق مطالبهم وإنهاء إضرابهم ومعاناتهم“.

مرحلة ما بعد الإضراب

ويشير عفانة إلى أن هناك معاناة أخرى يعانيها الأسرى بعد الإضراب، حيث يحتاج الجسم إلى فترات طويلة للعودة إلى طبيعته التي كان عليها، وهذا بحاجة إلى عناية واهتمام طبي بالغ، وقد تصل فترة العلاج إلى ستة شهور، فكثير من الأسرى الذي خاضوا الإضراب أصبحوا يعانون من مشاكل جسدية كبيرة ، وتأخذ وقتًا طويلًا من العلاج، وهناك من تستمر معاناتهم طوال حياتهم.

ويوضح عفانة أنه وحسب الدراسات الطبية التي وثقت تأثير الإضراب عن الطعام على الصحة، يتمثل في هلوسة وخرف بعد ما يقارب الثلاثة أسابيع، نتيجة لبدء تضرر الدماغ، بعد أربعة أسابيع من الإضراب، تُدمر خلايا العضلات، نتيجة لاستهلاك البروتين كنوع من أنواع الطاقة بالجسم بعد الانتهاء من مخزون الدهون، ثم تصاب العظام بالضعف بعد أربعة أسابيع تقريباً، بسبب استغلال كافة مخزون الجلايكوجن بالعضلات والانتقال إلى البروتين نفسه.

ويضيف: ”بعد خمسة أسابيع من الإضراب عن الطعام، تبدأ احتمالية حدوث ضرر دائم في الدماغ، فالدماغ يتغذى على الجلوكوز وهو غير موجود الآن، إلى جانب نقص المعادن اللازمة لعمل الأعصاب والدهون الضرورية لانتقال سيلان الأعصاب، وتصبح هناك احتمالية لحدوث ضرر دائم لأعضاء الجسم الداخلية، وذلك لعدم وجود الطاقة والجلوكوز والمعادن الضرورية لعمل الأعضاء، كما قام الجسم باستغلال جميع الدهون وكسر جزيئات البروتين لاستخدامها كمصدر للطاقة“

ويتابع ”ثم يتعرض الأسير المضرب لفشل محتمل في عمل أعضاء الجسم الداخلية بعد تضررها، وربما يصبح أمام خطر الوفاة، التي من الممكن أن تحدث في أي وقت تبعاً للعامل الصحي للشخص المضرب عن الطعام“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com