تقرير أمريكي: التديُّن ليس السبب الأول لانضمام المقاتلين لداعش

تقرير أمريكي: التديُّن ليس السبب الأول لانضمام المقاتلين لداعش

قال تقرير لباحثين عسكريين أمريكيين، إن التدين ليس أبرز قوة دافعة وراء انضمام آلاف المقاتلين الأجانب لداعش والمجموعات الإرهابية الأخرى في العراق وسوريا.

وكشفت دراسة جديدة أجراها مركز مكافحة الإرهاب (سي تي سي) في الأكاديمية العسكرية الأمريكية (ويست بوينت) أن الغالبية من بين 1200 مقاتل شملهم الاستطلاع لم يتلقوا تعليما دينيا رسميا ولم يتقيدوا بتعاليم بالإسلام طيلة حياتهم.

وربما تفضل المجموعات المتطرفة أمثال هؤلاء المجندين، لأنهم “أقل قدرة على التدقيق بعمق في أيديولوجيات الجهاديين ورواياتهم”، وبدلاً من ذلك يلتزمون كلياً بتفسير المجموعة التي انضموا لها، الذي يختزل الإسلام في العنف.

وأشار المحللون إلى أن العديد من المقاتلين الأجانب المسافرين من الغرب، ينجذبون للجماعات الجهادية من خلال الهويات الثقافية والسياسية لها، بدلاً من الإسلام الذي يصبح له “دور ثانوي” في انضمامهم.

وأوضح تقرير مركز مكافحة الإرهاب أن “قدرة المجموعات الجهادية على تجنيد المقاتلين الأجانب تعتمد على خلق رواية تركز على حرمان المسلمين المستمر ضمن سياسات غربية محددة وكذلك في الساحة الدولية”.

ويتفق التحليل الذي أجري في الأكاديمية العسكرية الأمريكية مع مجموعة من استمارات الدخول لداعش تم تسريبها في وقت سابق من هذا العام.

وأدانت المنظمات الإسلامية في جميع أنحاء العالم داعش، وأثبتت عدم صحة ادعاءات التنظيم الدينية، ومن ضمنها مجلس المسلمين البريطاني الذي أصدر بياناً مشتركاً من جميع المساجد في أنحاء بريطانيا يدين فيه أعمال التنظيم “الخادعة” و”البعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام”.

دور ضئيل للشخصيات الدينية في محاربة التطرف

وبينما حثت الاستراتيجيات التي تقودها الحكومات في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا على تشجيع المساجد لأخذ زمام المبادرة في محاربة التطرف، وجد مركز مكافحة الإرهاب أن الشخصيات الدينية لم تلعب سوى “دور ضئيل” وأن المقاتلين كانوا معزولين عن المجتمعات الإسلامية في أوطانهم، وبدلاً من ذلك يصبحون متطرفين على أيدي المجنِدين المقاتلين عبر الإنترنت أو من خلال الأصدقاء.

وحلل مركز مكافحة الإرهاب حياة وطريقة وفاة المقاتلين الأجانب الذين حاولوا الانضمام للجماعات المسلحة في سوريا والعراق منذ العام 2011 وحتى العام 2015، من فرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة وألمانيا وهولندا و25 دولة أخرى.

وعلى الأقل 74% من أولئك الذين شملهم الاستطلاع قتلوا أثناء العمل، في حين حذر الخبراء من أن الرقم قد يكون شوه بسبب حقيقة أن هويات المقاتلين الأجانب الأموات معروفة أكثر من هويات أولئك الذين لا يزالون يعملون.

وثلاثة أرباع المقاتلين البريطانيين في العينة قتلوا، مع وصول نسبة الوفيات بينهم في داعش إلى 66%، بينما وصلت النسبة إلى 77% في جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة والتي تسمي نفسها الآن جبهة فتح الشام بعد انفصالها “المزعوم” عن التنظيم.

ويكاد يكون من المستحيل تأكيد عدد القتلى في العراق وسوريا، مع غياب سلطات محايدة على الأرض وانتشار رسائل تحمل دعاية حربية من الجماعات التي تقاتل من أجل السيطرة.

 وفي شهر أيار/ مايو من هذا العام قدر المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره المملكة المتحدة أن أكثر من 47 ألفاً من الأجانب قتلوا وهم يواجهون نظام بشار الأسد ومن ضمنهم داعش وجبهة النصرة، متجاوزين بذلك الرقم الإجمالي للذين تعتقد الحكومة الأمريكية أنهم سافروا إلى سوريا.

وتقدر وزارة الدفاع الأمريكية، أن الضربات الجوية وحدها قتلت قرابة  45 ألف مقاتل أجنبي ومحلي من داعش.

وأوضح مجلس مكافحة الإرهاب عدم وجود ” حساب” واحد للمتطرفين، بالرغم أن أغلبهم كانوا في العشرينيات من عمرهم وكانوا متعطلبن عن العمل أو من الطلاب ذوي الأصول المهاجرة.

الكثير من عناصر داعش لديهم سجلات إجرامية

وكشفت دراسات سابقة أن الكثير منهم يملكون سجلات إجرامية مثل المشاركة في جريمة عصابات صغيرة، وهو مما يمكّن المجندين من اصطيادهم من خلال تقديم “روايات خلاص” لهم استغلالاً لمهاراتهم بين الشبكات السرية.

ويتم استغلال المجندين الغربيين للقيام بأدوار متنوعة اعتماداً على خبراتهم، حين أشار مجلس مكافحة الإرهاب أنه في الغالب يتم إرسال المجندين الجدد لمعسكرات تدريب قبل تعيينهم كجنود أو انتحاريين أو قادة أو أفراد دعم.

ويشكل المقاتلون الأجانب وسائل نشر دعائية قيمة، كما كان مجند داعش البريطاني محمد إموازي، الذي أصبح يعرف باسم جون الجهادي بعد ظهوره في سلسلة من أشرطة الإعدام التي  تظهر مقتل جيمس فولي ورهائن آخرين.

وكثيراً ما تستخدم داعش مجندين أوروبيين في الفيديوهات بهدف التحريض على إثارة هجمات في بلدانهم، ويوجد قلق متزايد حول الاستخدام المحتمل لمقاتلين أجانب لدى عودتهم لبلادهم مزودين بتدريب على استخدام الأسلحة وخبرة في ساحة المعركة.

وأشار تقرير مجلس مكافحة الإرهاب إلى أنه “بالنسبة للبعض، قد يخدم التعرض للعنف في ترسيخ إيمانهم في الجماعة التي يتبعون لها، أما بالنسبة لآخرين، قد تشكل الوقائع الوحشية الخطوة الأولى لإصابتهم بخيبة الأمل تجاه جماعتهم”.

تنظيم غير إنساني

وكشف التقرير أيضاً أن “الصراع يشكل محاولة تمييز أولئك الذين أصيبوا بخيبة أمل عن أولئك المخدوعين ذوي الإيمان الراسخ بجماعتهم، إضافة لما يجب القيام به عند بروز تحد يزداد حجمه مع ازدياد عدد المقاتلين العائدين إلى بلادهم  وصراع الحكومات في الرد على عودتهم”.

ومن بين مجندي داعش الذين عادوا إلى أوروبا العام الماضي،  هاري سارفو الذي نشأ في المملكة المتحدة وسافر للانضمام للمجموعة في سوريا بعد لقائه بداعية متشدد خلال فترة سجنه لارتكابه جريمة سطو.

وقال هاري سارفو، متحدثاً لصحيفة “ذي إندبندنت” البريطانية، وهو في السجن الآن، إن ما شاهده من عمليات رجم وقطع للرؤوس وإعدامات واستخدام جنود أطفال، اقتاده للفرار من المجموعة بعد اكتشافه أن أيديولوجياتهم ليست إسلامية.

وأشار إلى أن “أسوأ ذكرى لديه كانت عملية إعدام لستة رجال من خلال إطلاق النار صوب رؤوسهم باستخدام بنادق كلاشينكوف، وقطع يد رجل وإجباره على حمل يده المقطوعة بيده الأخرى، تنظيم داعش ليس فقط غير إسلامي بل هو غير إنساني، فقتل أخ أخاه بعد الاشتباه بأنه جاسوس، فأعطوه أمراً بقتله، ففي التنظيم يقتل الصديق صديقه”.

وذكر مجلس مكافحة الإرهاب أن 10% من المقاتلين الذين قاموا بتقييمهم فقط عادوا، مع ازدياد خطر استخدامهم في عمليات إرهابية مستقبلية كلما طالت مدة بقائهم في الأراضي التي يسيطر عليها المتطرفون.

ويحذر المحللون من أن قرابة 90% من المقاتلين اعتقلوا بعد عودتهم إلى الغرب، بينما هرب آخرون ويشكلون تهديداً متنوعاً وقاتلاً.

وكان مقاتلو داعش المدربون وراء الهجمات الإرهابية في المتحف اليهودي في بلجيكا العام 2014، وهجمات باريس 2015، وتفجيرات بروكسل في وقت سابق من هذا العام، فضلاً عن عدة حوداث أخرى، كما ألهمت دعاية التنظيم البعض لتنفيذ هجمات “منفردة” مثل الهجوم الإرهابي الذي تسبب بمقتل أكثر من 80 شخصا في نيس.

وخلص تقرير مجلس مكافحة الإرهاب إلى أنه “بالرغم من أن العودة وتنفيذ الهجمات مصدر قلق كبير، إلا أن البيانات هنا تؤكد أن هذا أبعد ما يكون عن مصدر القلق الوحيد، للأسف يظهر التاريخ أن تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق يرجح ألا يكون آخر مرة يسافر فيها أفراد لحمل السلاح في نزاع مستمر”.