أولاند يظهر ”نوايا حسنة“ تجاه المسلمين.. وسط مطالب بالأفعال لا الأقوال

أولاند يظهر ”نوايا حسنة“ تجاه المسلمين.. وسط مطالب بالأفعال لا الأقوال

المصدر: باريس- إرم نيوز

لا يكاد يمر يوم في فرنسا، منذ شهر، دون تصريح لسياسي بارز، أو مقال بمجلة أو صحيفة، يتم الحديث فيه عن الإسلام والمسلمين في البلاد، وكان خطاب الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند مساء أمس، في هذا الاتجاه.

ورأى خبراء سياسيون أن خطاب أولاند يحمل ”نوايا حسنة“ فقط، ولا تتلوه أفعال، خاصة أن هناك سياسات على الأرض تبدو متشددة من مسؤولين آخرين تجاه المسلمين.

ولفت محللون إلى أن ”الحديث المتكرر عن الإسلام والإسلاموفوبيا هدفه إلهاء الرأي العام الفرنسي بمشاكل غير موجودة، لحساب مشاكل عميقة في البلاد، مثل البطالة وتراجع النمو الاقتصادي، وتراجع مستوى الخدمات العامة، وهي الأزمات التي فشل هؤلاء الساسة الذين يطلقون التصريحات المعادية للمسلمين في حلها“.

وخصص أولاند، للإسلام والمسلمين في بلاده، الجزء الأكبر من خطاب ألقاه أمس الخميس، في باريس خلال مؤتمر حمل عنوان ”الديمقراطية في مواجهة الإرهاب“.

وعبر أولاند، في خطابه بشكل واضح عن ”قناعته بأن الإسلام يمكن أن يتأقلم مع العلمانية كما فعلت قبله  الكاثوليكية وكذلك اليهودية“، مضيفًا أن ”السؤال يطرح كذلك على الجمهورية الفرنسية، هل هي فعلا مستعدة لاستيعاب واستقبال ديانة لم تكن تتصور أنها ستكون بهذا الحجم قبل قرن من الآن؟“.

وسعيا لخطب ود المسلمين، أعلن الرئيس الفرنسي عن تأسيس جمعية وطنية معنية بجمع التبرعات لبناء المساجد وتكوين الأئمة، إضافة إلى مؤسسة وطنية فرنسية للإسلام ستكون معنية بدعم المبادرات الثقافية والتربوية والاجتماعية.

أولاند: العلمانية لا تتعارض مع الإسلام

وأكد الرئيس الفرنسي أيضًا خلال ذات الخطاب، أنه ليس هناك في العلمانية ما يتعارض مع الإسلام في فرنسا، مشيرًا إلى أن ”الأغلبية العظمى من مواطنينا المسلمين في فرنسا يثبتون لنا كل يوم أنه يمكن لقيم العلمانية التي وضعت منذ أكثر من قرن أن تتعايش مع الإسلام“.

وقال أولاند إنه ”ضد أي مشروع قانون أو تشريع في البرلمان يمكن أن يكون منافيًا للدستور“، في إشارة إلى تصريحات عدد من السياسيين ونواب اليمين الفرنسي الداعين إلى سن قانون يمنع ارتداء ”البوركيني“ (ما يعرف بالمايوه الشرعي)، على الشواطئ الفرنسية، ويمنع ارتداء الحجاب في كل الأماكن العامة.

وربطت جولي اسكوا، الناشطة في شبكة مقاومة العنصرية بفرنسا، بين محاربة ظاهرة الإسلاموفوبيا وخطاب الرئيس الفرنسي، وقالت إن ”هناك عددا من النقاط الإيجابية في خطاب أولاند، لكنها أقرب إلى النوايا الحسنة التي لا تكفي وحدها“.

واستدركت بالقول: ”ما لم يتم تفعيل ما جاء في خطاب أولاند عمليا فلن يكون له مفعول“، قبل أن تضيف: ”أقل ما هو مطلوب أن يكون هناك انسجام من قبل أعضاء الحكومة والبرلمانيين المشكلين للأغلبية الحكومية مع هذا الخطاب وأن تتوقف التصريحات والسياسات المعادية للإسلام والمسلمين بما في ذلك من قبل رئيس الوزراء مانويل فالس المعروف بعدائه للمسلمين وتصريحاته المعادية لهم بشكل متكرر وواضح“.

وقال الخبير الفرنسي وأستاذ علم الاجتماع لوارن بنفو: ”هناك أساب مباشرة وأخرى غير مباشرة لصعود الإسلاموفوبيا في فرنسا“، قبل أن يوضح أن ”الأسباب المباشرة مثل الهجمات الإرهابية المتكررة التي عرفتها فرنسا في الفترة الأخيرة مثل هجوم نيس الإرهابي الذي أسفر عن مقتل 86 شخصًا في 14 يوليو/تموز وهو عيد الجمهورية الفرنسية“.

وأضاف أن ”هجوم نيس حمل دلالات كبيرة من حيث اختيار التاريخ، وسبق هذا الهجوم هجمات إرهابية دموية كبيرة في باريس، أهمها كان هجوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي الذي أسفر عن مقتل 130 فرنسيًا في العاصمة باريس في هجمات إرهابية متزامنة“.

الخوف من المسلمين

وذهب الخبير في علم الاجتماع إلى أن ”تكرار هذه العمليات الإرهابية في فرنسا والتي تبناها داعش، وأخرى في دول أوروبية مجاورة مثل بلجيكيا، خلق مناخًا كبيرًا من الخوف من المسلمين بشكل عام، خاصة أن الذين قاموا بهذه العمليات (في فرنسا) هم مسلمون فرنسيون أبناء هذا البلد، ومن الخطأ القول إنهم أجانب“.

ورأى بنفو أيضا، أن المناخ العالمي العام يشهد تصاعدًا غير مسبوق للعمليات الإرهابية في أكثر من بلد.. هذه الموجة الإرهابية العمياء تقريبا لم نعرفها من قبل، لا أحد يمكنه أن يتنبأ أين ستكون العملية الإرهابية القادمة ومن ستستهدف، وهو ما خلق مناخ خوف مستمر غير مسبوق“.

وأشار إلى أن ”هذا الخوف استثمره اليمين العنصري المتطرف ووظفه لصالحه، حيث أن عددًا من السياسيين من اليمين كما اليسار وظفوا هذا الأمر كذلك واستغلوه على حساب المواطنين المسلمين“.

وتعليقا على الاستغلال السياسي للإسلاموفوبيا، قال الإعلامي الفرنسي البارز قيؤوم بلي، في حديثه لإذاعة فرنسا لدولية، مؤخرا، إن ”كل الزوبعات التي تثار بين الحين والآخر ضد المسلمين، سواء المتعلقة بالحجاب أو البوركيني، أو اللحم الحلال هي أزمات وزوبعات إعلامية مفتعلة“.

وأضاف بلي أن ”إثارة هذه المواضيع والاستهداف المتكرر للمسلمين المراد به هو إلهاء الرأي العام الفرنسي بمشاكل غير موجودة لحساب مشاكل عميقة في فرنسا، مثل البطالة وتفكك الاتحاد الأوروبي، وتراجع النمو الاقتصادي وتراجع الخدمات العمومية وتراجع القدرة الشرائية“.

وأوضح أن بعض الساسة أصبحوا يغطون على فشلهم في معالجة هذه المشاكل بالهروب للحديث عن الإسلام والمسلمين.

العنصرية قديمة ضد المسلمين

من جهته رأى الباحث الفرنسي في العلوم السياسية فرنسوا بورقا أن العنصرية ضد الإسلام والمسلمين تصاعدت بسرعة في الفترة الأخيرة، ولكنها في الحقيقة عميقة وقديمة في فرنسا.

وأضاف  أن ”العلاقة بالإسلام هنا قديمة، وهناك من السياسيين الفرنسيين من يرى في المسلمين الفرنسيين اليوم أبناء المسلمين الذين استعمرتهم فرنسا في القرن الماضي، ومن هنا مازال البعض يراهم كعدو أو كمواطنين من درجة ثانية كما كان الحال مع الشعوب التي استعمرت وبالتالي لا يتقبلون فكرة أن يكونوا مواطنين فرنسيين بكل حقوق المواطنة“.