حكومة الوفاق الليبي.. مخاض عسير على فوهة بركان

حكومة الوفاق الليبي.. مخاض عسير على فوهة بركان

المصدر: عبد العزيز الروَّاف – إرم نيوز

تمر حكومة الوفاق الليبية بحالة مخاض عسير أحدثها إصرار الأمم المتحدة، راعية الحوار، على تمرير هذه الحكومة من جهة، ووجود صراع قوي وواضح بين المؤيدين والرافضين لهذه الحكومة من جهة أخرى.

وتشهد ساحة الصراع بشأن الحكومة تلك تباينًا حتى في آراء المؤيدين أنفسهم، والذين انقسموا إلى توجهات لديها أهداف لا تلتقي، فعلى سبيل المثال ظلت مليشيات مصراتة لفترة طويلة رافضة للحكومة، ثم تحولت لصف التأييد، كما أن المجلس المحلي للمدينة والذي يفترض أن تكون مليشيات المدينة تتبعه، ظل هو الآخر فترة ما متأرجحًا في موقفه، غير أن بيانًا أخيرًا له وضعه في صف المؤيدين، في حينل لا يزال مجلس حكماء مصراته في صف الرفض حتى الآن.

ويرى المؤيدون لهذه الحكومة أنها ستكون طوق النجاة لليبيين، وإعادة هيبة الدولة ومحاربة الإرهاب، غير أنهم لم يعطوا دليلاً مقنعًا واحدًا على الكيفية التي سيتم بها الأمر، وكيف ستنتهي كل هذه الأزمات، رغم أن هناك حكومتين سابقتين كانتا تمارسان عملهما من طرابلس ولا يوجد جسم آخر شرعي في البلاد وهما حكومتا الكيب وزيدان، غير أن تنفذ المليشيات وبعض الزعامات الإرهابية جعلت الحكومتين السابقتين مجرد موظفين عند هذه الأجسام الموازية أو ما عُرف بالحكومة العميقة.

المعارضون للحكومة هم أيضًا تيارات متباينة الأغلبية تتمثل في إقليم برقة الممتد من شرق ليبيا حتى تخوم سرت، وأيضًا عدة مناطق في الجنوب الغربي، ووسط ليبيا، وعدة مناطق في جنوب ليبيا، وهؤلاء يشكل أعضاؤهم في البرلمان ثقلاً لا يستهان به، وهو ما جعل التصويت لا يتم نظرًا لعدم وجود أغلبية في البرلمان سواء مع أو ضد، ويشترك معهم في الرفض ولا يلتقي معهم في الهدف مجموعة من أعضاء المؤتمر المنتهية ولايته، وكذلك قادة مليشيات متشددة في طرابلس، بالإضافة إلى حكومة الغويل الموازية في طرابلس.

ويرى التيار الأول من الرافضين بأن الحكومة تعتبر حكومة ”وصاية“ ما دام لم يمنحها البرلمان الثقة، ويؤكدون بأن ممثل الأمم المتحدة في ليبيا مارتن كوبلر يريد تمرير هذه الحكومة بأي شكل ويؤكدون ذلك من خلال تصريح لكوبلر قال فيه إن 95% من الليبيين يؤيدون حكومة الوفاق الليبية، ويرد منتقدوه بالتساؤل عما إذا كان كوبلر قد أجرى استفتاء أخذ فيه رأي الليبيين، وكيف توصل لهذه النسبة ، خصوصا في ظل ظروف مثل ظروف ليبيا حاليًا.

ومن ضمن ما يؤخذ على السراج، رئيس الحكومة المقترحة، عدم بيان موقفه من الجيش والمليشيات والدروع، وفي هذه النقطة يقول ناشطون ليبيون إن بعض أعضاء المجلس الرئاسي في حكومة السراج ينتمون لتيارات متشددة، يحاولون إعادة وجودهم في الدولة بعد أن رفضهم من قبل الشعب الليبي في الانتخابات الخاصة بالبرلمان المعترف به دولياً.

وعززت مخاوف هؤلاء، تأكيدات مصادر محلية في مصراتة وطرابلس، بتحرك مليشيات ”فجر ليبيا“ ذات التوجه المتشدد من مصراتة وبدء معارك في طرابلس مع منافسيها من مليشيات محلية بطرابلس، حيث أكدت هذه المصادر بأن السراج اتفق مع قادة مليشيات مصراتة على أن تقوم بحماية وحراسة مقرات وأفراد حكومته في طرابلس.

ومن المعلوم أن العاصمة الليبية طرابلس تنتشر بها تشكيلات مسلحة، من بينها كتيبة ثوار طرابلس التي يرأسها هيثم التاجوري، وكذلك مليشيا بوسليم ويرأسها عبد الغني الككلي، أما كتيبة صلاح البركي فتتبع الجماعة الليبية المقاتلة ”قريبة من القاعدة“، كتيبة الصمود يرأسها صلاح بادي وهي المسؤولة عن تدمير مطار طرابلس، كما توجد قوة الردع الخاصة  بقيادة عبد الرؤف كارة، وتعتبر أكبر التشكيلات الموجودة على الساحة.

وتعتبر العاصمة، حتى الآن، أقل المدن الكبرى تعرضًا لعمليات تدمير أو تخريب كما حدث في بعض المدن الليبية (بنغازي – درنة – سرت)، إلا أنّها تعتبر مجالاً رخوًا، وحقل ألغام موقوت قد ينفجر في أيّة لحظة.

لذلك يقول متابعون للشأن الليبي إنه ليس أمام السراج من خيارات كثيرة، فإمّا أن يعقد صفقات مع المليشيات المسيطرة على العاصمة من خلال تقديم حوافز مادية، أو يقدم وعودًا بعدم الملاحقة القضائية للجهات التي ارتكبت جرائم، ووعود بدمج تلك التشكيلات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.

وهنا تتحقق مخاوف أغلب الرافضين بأن تكون حكومة السراج نسخة مكررة من حكومة الكيب وزيدان، وستكون بالتالي رهنًا للمليشيات وقادتها، فهو سيكون مجبرًا على تلبية طلباتها المالية التي لا تنتهي، كما حدث سابقًا بصرف مليارات استعملت في جلب أسلحة ومقاتلين أغلبهم انضموا لتنظيم ”داعش“، أو سيكون مصيره الخطف في آخر ساعات الليل بلباس النوم، كما حدث مع رئيس الحكومة السابق علي زيدان.

الخيار الثاني أمام السراج هو الاستعانة بالقوى الدولية عن طريق قوات عسكرية على الأرض، لفرض النظام وتأمين عمل حكومة السراج، وهو أمر سيعزز من موقف الرافضين لتدخل الأجنبي خصوصًا أن القوات الأجنبية، لم تحل أي مشكلة في كل دولة تم التدخل بها بل أعطت الصراع بعدًا أكبر، ومدة أطول بكثير.

ويرى متابعون للشأن الليبي بأن حكومة السراج يكتنفها من المخاطر الكثير، خصوصًا إذا جاءت لطرابلس اعتمادًا على المعطيات السابقة، ويذهب هؤلاء لتوصيف حالة السراج وحكومته، كمن يقف على فوهته بركان يستعد للثورة والانفجار مكتسحًا كل ما امامه ، خصوصًا أنه لن يتبين أحد بالدقة خطط السراج في التعامل مع الجبهتين الرئيسيتين قوى الإرهاب والمليشيات وداعميها، وكذلك أهل برقة وجنوب غرب ليبيا وعدة مناطق في وسط وجنوب البلاد الداعمين للجيش الليبي بقيادة حفتر، كما يظل هناك فئة لا يمكن إغفالها أنصار النظام السابق والمهاجرين خارج ليبيا والذين يقدرون بحوالي المليون إنسان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com