خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط تحيي مخاوف قديمة للأردن

خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط تحيي مخاوف قديمة للأردن

المصدر: رويترز

يتسم رد فعل العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، بالغضب إزاء أي تلميح بأنه قد يقبل صفقة أمريكية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي تجعل من بلاده وطنًا للفلسطينيين.

وفي كلمة للقوات المسلحة في آذار/ مارس، رفض الملك عبدالله فكرة الأردن كدولة بديلة للفلسطينيين، قائلًا باستنكار: ”كيف؟ ما إلنا صوت؟“.

ويتعين على الملك عبدالله التحرك بحذر عبر الخطوات الدبلوماسية لحلفائه الأمريكيين التي تقلب رأسًا على عقب الوضع القائم في المنطقة والذي استندت إليه السياسة الداخلية والعلاقات الخارجية للأردن طوال عقود.

وبعد قيام دولة إسرائيل في عام 1948، استقبل الأردن أعدادًا من الفلسطينيين أكثر من أي دولة أخرى، بل إن بعض التقديرات تشير إلى أنهم يمثلون الآن أكثر من نصف تعداد السكان.

لذا فإن أي تغيير في التوافق الدولي على حل الدولتين، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ما يعرف الآن باسم إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وهي قضايا لطالما دعمتها السياسة الأمريكية، يتردد صداه في الأردن أكثر منه في أي مكان آخر.

ولا تزال ”صفقة القرن“ التي وعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحل النزاع محاطة بالسرية، على الرغم من أن تفاصيل مسربة تشير إلى أنها تتخلى عن فكرة قيام دولة فلسطينية كاملة لصالح حكم ذاتي محدود في جزء من الأراضي المحتلة، الأمر الذي من شأنه أن يقوض حق الفلسطينيين في العودة.

وتشير التسريبات (التي تنفيها الدول المعنية وعلى رأسها مصر) إلى أن الصفقة تضع تصورًا لتوسيع قطاع غزة إلى جزء من شمال مصر، تحت السيطرة المصرية، مع تقليص نصيب الفلسطينيين في الضفة الغربية ومنحهم بعض المناطق على أطراف القدس من دون السيطرة على حدودهم.

وتفاقمت المخاوف الأردنية بشأن ما تنبئ به الخطة بالنسبة للمنطقة وللمواطنين الفلسطينيين في الأردن وللسياسة في بلدهم، بسبب استعداد ترامب لقلب السياسة الأمريكية رأسًا على عقب.

وينفي مسؤولون أمريكيون التفكير في جعل الأردن وطنًا للفلسطينيين، أو دفعه للقيام بدور في إدارة أجزاء من الضفة الغربية أو الطعن في حق أسرة الملك عبدالله في الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس.

لكن النهج المتطرف الذي يتعامل به ترامب مع هذه القضية، والتصريحات الأخيرة لسفيره في إسرائيل والتي قال فيها إن إسرائيل لها الحق في ضم بعض مناطق الضفة الغربية، لم يفعل شيئًا يذكر لتهدئة المخاوف الأردنية.

*الفلسطينيون في الأردن

نادرًا ما يشهد الأردن قضايا مشحونة سياسيًا مثل دور الفلسطينيين ووجودهم ومستقبلهم هناك.

والقضية حساسة لدرجة أن الحكومة لا تنشر أي بيانات عن عدد من هم من أصل فلسطيني بين مواطنيها البالغ عددهم ثمانية ملايين نسمة، وإن كان تقرير صدر مؤخرًا عن الكونغرس الأمريكي قدر العدد بأكثر من نصف إجمالي السكان.

وعلى الرغم من النفي الأمريكي، يخشى الأردنيون من عودة ترامب إلى فكرة إسرائيلية قديمة مفادها أن الأردن هو فلسطين وأن هذا هو المكان الذي يجب أن يذهب إليه فلسطينيو الضفة الغربية.

لم يكن من الممكن أن يأتي ذلك في توقيت أسوأ بالنسبة للملك عبدالله البالغ من العمر 57 عامًا، والذي تواجه بلاده تحديات اقتصادية أدت إلى اندلاع احتجاجات وتغيير الحكومة في العام الماضي.

ورغم أن كثيرًا من الفلسطينيين جرى دمجهم في نسيج المجتمع الأردني وباتت هناك عدة أجيال في الأردن لم تطأ أقدامهم وطنهم الأصلي قط، لم يسلم بعض الشرق أردنيين بأن الفلسطينيين سيبقون للأبد.

ويخشى هؤلاء أن تؤدي خطة ترامب إلى تغيير التركيبة السكانية والحياة السياسية لشعب تشكلت معالمه بوجود الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الكاملة، لكنهم مهمشون سياسيًا ويعتبرهم بعض المنحدرين من أصل شرق أردني تهديدًا سياسيًا.

لكن قرار الملك عبدالله بأن يحضر الأردن مؤتمرًا اقتصاديًا يمثل جزءًا من الخطة الأمريكية أظهر أنه على الرغم من تصاعد القلق في الداخل، فلا يمكن لعمان أن تتجاهل الضغط من الحلفاء الأقوى والأكثر ثراءً في الغرب والخليج.

*بواعث قلق داخلية

كان الحفاظ على الوحدة بين المواطنين من أصل أردني والفلسطينيين أمرًا حيويًا بالنسبة لدور العائلة الحاكمة كقوة موحدة في بلد تسود فيه الولاءات القبلية والعشائرية.

ويواجه الملك بالفعل غضبًا من المعارضة التي تسمي نفسها ”الحراك“، والمؤلفة بالغالب من الشرق أردنيين والذين يقولون إن خطط ترامب ستؤدي إلى تدمير نظام رعاية الدولة الذي رسخ ولاءهم للملكية.

ونظم ضباط متقاعدون من الجيش وموظفو دولة مهمشون احتجاجات أسبوعية صغيرة اعتراضًا على الاتفاق.

وقال سعد العلاوين، أحد المعارضين البارزين في الحراك الأردني: ”لا لنزع الهوية الوطنية الشرق أردنية وتفكيك الدولة“، في إشارة إلى الصفقة.

ويحذر البعض الملك من قبول خطة قد تمنح المواطنين من أصل فلسطيني المزيد من الحقوق السياسية في نظام انتخابي يميل لصالح الأردنيين الأصليين.

كما ثار القلق بسبب شائعات بأن الخطة قد تؤدي إلى استقبال الأردن للاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا، أو أن البلاد ستندمج مع مساحة من الأراضي الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية.

وذهب الملك إلى حد مقابلة نواب من الحركة الإسلامية التي كانت يومًا ما منبوذة، في محاولة، كما يقول مسؤولون، للفوز بدعم أكبر جماعة معارضة تتمتع بالتأييد في المدن الكبيرة والمخيمات الفلسطينية.

وقال مراد العضايلة، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين: ”يريد ترامب أن يبيع ويشتري الأردن ويصنع نظامًا بديلًا في الأردن ويصنع وطنًا بديلًا في الأردن. الأردنيون خلف الملك في رفض ذلك“.

ويقول مراقبون إن العاهل الأردني ألهم حركة تغييرات في مؤسسة المخابرات، التي يُنظر إليها منذ فترة طويلة على أنها حارس لاستقرار الأردن، لتوطيد الجبهة الداخلية وتخفيف حدة أي تداعيات للصفقة في الأشهر المقبلة.

وفي الجيش، الذي يرتبط ولاؤه للملكية بالهوية الوطنية الأردنية، توجد أيضًا مؤشرات على القلق.

وقال اللواء محمود فريحات رئيس هيئة الأركان: ”المملكة كاملة السيادة وسيدة قرارها.. والقوات المسلحة في جاهزيتها الكاملة للتعامل مع التحديات“.

*الضغط الأجنبي

تعتمد السياسة الاستراتيجية والاقتصادية البعيدة المدى للأردن على علاقات وثيقة مع الغرب والخليج، وهو نهج استندت عليه المملكة في قرارها صنع السلام مع إسرائيل في عام 1994.

وقام عبدالله بزيارات متكررة إلى واشنطن، حيث يقول المسؤولون إنه لم يُطلع على تفاصيل خطة البيت الأبيض.

وقال مسؤولان وسياسي: إن هذا الأمر فاقم الشعور بالقلق داخل المؤسسة السياسية، التي ترى أن صفقة ترامب ستجلب معها يوم حساب.

وأشار القصر الملكي إلى المظاهرات في العشرات من البلدات والمدن الريفية كرسالة إلى واشنطن بأنها لا تستطيع فرض حل يجيء على حساب الأردن.

ولطالما لجأ الأردن إلى الأسر الحاكمة في الخليج لدعم اقتصاده. لكن تركيز هذه الدول تحول إلى تنافسها مع إيران مما قلص الدعم المالي وترك الأردن منكشفًا أكثر من أي وقت مضى.

وقال مسؤول رفيع: ”حلفاؤنا الخليجيون مدينون لواشنطن بشكل لا يسمح لهم بتقديم مستوى الدعم الذي يمكن أن يساعدنا في تحمل الضغوط المتزايدة“.

ويقول مسؤولون إنه على الرغم من أن الأردن سينضم إلى المؤتمر الذي سيكشف عن الشق الاقتصادي من خطة ترامب، إلا أنه سيوجه رسالة مفادها أنه لا يمكن لأي عروض مالية أن تحل محل حل سياسي لإنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية .

ومع ذلك، يعتقد البعض أن بوسع الأردن الذي يواجه مصاعب اقتصادية الاستفادة من أي خطة تعد بمليارات الدولارات من المساعدات وتمويل المشاريع.

وهيأ بعض رجال الأعمال أنفسهم بالفعل للاستفادة، وقال النائب البارز فواز الزعبي هذا الشهر إن ”الأردنيين يجب أن يكونوا منفتحين على أي شيء يمكنهم الاستفادة منه“.

وفي المخيمات التي يعيش فيها 2.2 مليون من اللاجئين المسجلين في الأردن، يبدو الواقع المرير هو سيد الموقف.

وقال إبراهيم عنبتاوي، وهو لاجئ من الجيل الثاني لديه ستة أطفال، إنه ”قام مثل غيره في المخيم باستخراج بطاقات الأمم المتحدة التموينية القديمة لإثبات حقوقهم في حال عرضت أي صفقة جديدة التعويض“.

وأضاف عنبتاوي: ”ما راح انسى إني فلسطيني أو أتخلى عن حق العودة“.

لكنه أضاف: ”اضطهدت كل هذه الفترة وما رح أقدر أرجع لأرضي ولا قادر أحصل شي هون. بدي إشي يعوضني من صفقة القرن.. بدي أي شي يعوضني من ترامب“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com