لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في تونس؟(الحلقة 1).. التدهور الاقتصادي   

لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في تونس؟(الحلقة 1).. التدهور الاقتصادي   

رغم مضي 7 سنوات على الإطاحة بنظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، إثر انتفاضة شعبية ترددت أصداؤها في أرجاء المنطقة، ما تزال البلاد تشهد احتجاجات شعبية متواصلة، تعكس تعثر التجربة الديمقراطية على مستويات عدة.

وفي هذا الملف، يسلط موقع “إرم نيوز” الضوء على مسارات الانتقال  الديمقراطي في تونس والعقبات التي تواجهه، على المستويات الاقتصادية والسياسية، في حلقات تنشر تباعًا.

أزمة اقتصادية

يكشف أحدث استطلاع للرأي في تونس خلال هذا الشهر المُثقل بالاحتجاجات الشعبية أنّ 66.3 من التونسيين يعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية في تدهور مستمر، مع ارتفاع لافتٍ للنسبة مقارنة بشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017، حين كانت في حدود 65.7%، بحسب ما كشفت عنه مؤسسة سبر الأراء “أمرود كونسلتينغ”.

وثمة حقيقة راسخة في الأذهان، لدى النخب التونسية وعموم الشعب، هي أن حالة اليأس من الفقر والتهميش والبطالة كامنة بصفة جلية في المناطق الحدودية منذ زمن زين العابدين بن علي الذي ينحدر من الإقليم الساحلي، ومع ذلك حافظت حكومات ما بعد الثورة على التفاوت القائم بين مناطق البلاد، حيث لم تحظ الضواحي الحدودية ببرامج تنموية تُعيد الأمل للساكنة.

وفي مطلع الشهر الجاري، فجّر متظاهرون بساقية سيدي يوسف، وهي إحدى أهم الضواحي المهمشة، احتجاجات سلمية بسبب قائمة إعانات حكومية لصغار المزارعين، لم تذهب لذويها وكرّست عملية توزيعها نمطًا متعارفًا عليه في دواليب الإدارة المحلية التي تمنح الدعم للمعارف، وتُقصي الكادحين، بحسب الشكاوى والهتافات التي رفعها المحتجون، واعترفت بهذه الحقيقة لاحقًا مسؤولة البلدية حين قررت مراجعة لائحة المستفدين من إعانات الدولة.

ويعتقد محللون تونسيون أنّ شرارة الاحتجاجات “رُكبت من جهات معروفة منذ عقود بكرهها لسكان الجهات الحدودية، فتمّ تحويل المطالب إلى مدن أخرى ليست على قدر كبيرٍ من التهميش التنموي بالمقارنة مع الأرقام المرعبة لواقع التشغيل ومشروعات الاستثمار في الضواحي الغربية والتي تلامس الصفر حتى أضحت طاردة للسكان نحو مدن الساحل”، حيث إن 4  محافظات فقط تهيمن على ما نسبته 85% من المشروعات الاستثمارية ويتعلق الأمر بــ: تونس الكبرى وسوسة والمنستير وصفاقس.

وقد  ظلّت عجلة التنمية متوقفة أو ساءت كثيرًا في المناطق الداخلية والحدودية، منذ انهيار حكم الرئيس السابق، بينما عجزت الحكومات التي أعقبت الثورة وعددها 9 لحدّ الآن، في تثبيت دعائم قوية للتنمية، وتحسين الخدمات، وظروف المعيشة، وتشغيل الشباب وضخّ مشروعات استثمارية تستجيب لتطلعات المناطق المُهمّشة، رغم ثرائها الطبيعي وقدرتها على إنتاج الثروة حالَ وجدت العناية الحكومية اللازمة.

وتظلُّ المنظومة الاقتصادية الهشّة في البلاد، من أبرز تحديات للانتقال الديمقراطي في تونس، حيث يقوم الاقتصاد على القطاع السياحي كدعامةٍ أساسيةٍ لكنه سريع التأثر والارتباط بالعامل الأمني حتى أنّ الجماعات المتشددة وتلك الموالية لتنظيم داعش قد انتبهت لهذا الأمر وعمدت إلى استهداف مواقع سياحية في مرات عديدة لغرض الاستعراض وفكّ الحصار الأمني المفروض على عناصرها المسلحة من جهة، وإرباك مؤسسات الدولة السياسية وأجهزتها الأمنية في حربها المعلنة على الإرهاب.

وقد تضررت خزينة البلاد كثيرًا من الهبوط الحاد في إيرادات السياحة والاستثمارات الأجنبية جرّاء استهداف الجماعات المسلحة بشكٍل متكرّرٍ لمنتجعات أو معالم سياحية مثلما حدث ذلك في يونيو/تموز 2015 بمدينة سوسة التي تشكل رئة السياحة التونسية، حين نفذ مسلح متشدد اعتداءً على سواح أجانب بمنتجع “القنطاوي”، وقبل ذلك بأسابيع ضرب متشددون متحف باردو قرب البرلمان، في مشهدٍ دامٍ يوم 18 مارس/آذار 2015 مع احتجاز رهائن غربيين.

عجز في الميزانية

واضطرت تونس لإبرام اتفاقٍ مع صندوق النقد الدولي في العام 2017، يُفضي إلى برنامج إقراض مدته أربع سنوات بقيمة مالية تناهز 2.8 مليار دولار، مع اشتراط القيام بإصلاحات اقتصادية، حيث يفيدُ  بيان للصندوق أن السلطات التونسية “عبّرت على التزامها باتخاذ إجراءات حاسمة، للبناء على قانون ميزانيتها الطموحة للعام 2018”.

وتابع المصدر أنّ “التحدي الرئيسي في الأشهر المقبلة هو التعويض عن التأجيلات الكبيرة، في رفع العقبات القائمة منذ وقتٍ طويلٍ أمام النمو، ومعالجة عجزٍ كبيرٍ في الميزانية وميزان المعاملات الخارجية”.

وتجدُ البلاد نفسها أمام ضغط القوى العمالية والغضب الشعبي المتصاعد، مقابل إلزامها من قبل صندوق النقد الدولي على خفض فاتورة أجور العاملين بالقطاع العام، وهي تُقارب 15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع خفضها الدعم للطاقة وبالتالي زيادة أسعار الوقود ومواد أخرى واسعة الاستهلاك.

ويقول الخبراء إنّ تخطيط الحكومة التونسية لخفض عجز الموازنة العامة لنحو  4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد بلوغها العام الماضي نسبة 6%،  يهدف أيضًا إلى رفعها من قائمة سوداء للملاذات الضريبية، أصدرها الاتحاد الأوروبي أواخر2017.

ولا يمكن للحكومة في مثل هذه الحالات، أن تُلبي المطالب الشعبية دفعةً واحدةً، وهي تحت ضغط صندوق النقد الدولي الذي يُلزمها بمباشرة إصلاحات اقتصادية تمرُّ حتمًا عبر اعتماد خطط جريئة ومُكلِفة من الجانب الاجتماعي.