وثائقي | السير نحو الكارثة.. عدن على خُطى درنة

ما من متسع هنا لكارثة أخرى محتملة.. فلدى عدن ما يكفيها من الأعباء التي أفرزتها الحرب اليمنية على مدى عقد من الزمان.

لم يألف سكان المدينة المُثقلة بالمعاناة الإنسانية مخاطر التغيرات المناخية المتطرفة، لكن بات عليهم الآن مواجهتها والتأقلم معها.

تشير تحذيرات منظمات الأمم المتحدة المتكررة إلى اليمن كواحد من أكثر البلدان عرضة لتغيرات المناخ، وأقلها استعدادًا لمواجهة آثاره المتعددة والمدمرة.

من بين تلك الآثار تبرز الأمطار الغزيرة والسيول، التي أودت بحياة 218 شخصا، منذ مارس وحتى أغسطس من العام الجاري، وفق "أوتشا".

جملة من التداعيات المناخية شهدتها عدن خلال السنوات الأخيرة، ما بين ارتفاع منسوب مياه البحر، الذي جعلها في المرتبة السادسة بين عشر مدن عالمية مهددة بالغرق، فضلا عن ارتفاع درجات الحرارة صيفًا، وهطول الأمطار الغزيرة على نحو مفاجئ.

أحدثت فيضانات وسيول العام 2020 صدمة لدى المجتمع، بعد تسببها بوفاة 14 من المدنيين، بينهم 4 أطفال، وإصابة أكثر من 70 آخرين، ناهيك عن قائمة الأضرار المادية التي شملت أكثر من 100 منزل متضرر، وعشرات السيارات التي جرفتها المياه.

وقع النصيب الأكبر من هذه المأساة في مديريات: صِيرَة والمُعلا والتواهي؛ نتيجة موقعها أسفل منحدرات جبلية شاهقة، تفاقمت ظروفها مع استحداث مبانٍ عشوائية في مجاري السيول القديمة، ما تسبب بسدّ منافذها والتضييق عليها.

جرأة العشوائيات وضررها لم تسلم منها "صهاريج عدن" التاريخية، المبنية قبل أكثر من 3 آلاف سنة، كأهم خطوط دفاع المدينة القديمة أمام السيول.. بات حرمها الآن يضم أكثر من 30 منزلا مخالفا.

لم تكن كارثة العام 2020 سوى صدمة مؤقتة، في ظل غياب الوعي الجمعي بحجم المخاطر الطبيعية المحتملة.. فالمباني العشوائية لا تزال كابوسا مرعبا حتى اللحظة، وشاهدًا على عجز غير مبرر للسلطات الحكومية.

بعد حجم الكارثة والدمار الذي خلّفه إعصار "دانيال" في مدينة "درنة" الليبية، في سبتمبر/ أيلول من العام الجاري، بعث مدير عام مكتب وزارة الزراعة والريّ في عدن مذكرة إلى محافظ العاصمة المؤقتة، يحذّر فيها من وضع مماثل يهدد عدن، في حال عدم تدخل السلطات بشكل عاجل.

التحذيرات تشير إلى الوادي الكبير في منطقة "الحسوة" المنخفضة، شرقي مديرية البريقة، وهي محمية طبيعية تشكّل موئلًا حيويًا للطيور المهاجرة والمستوطنة.

يقع مصبّ هذا الوادي على بعد أكثر من 10 كيلو مترات من المديريات المتضررة في الجهة الجنوبية الشرقية، منحدرا من محافظتي إبّ ولحج شمالًا، ليخترق المناطق السكنية بطول يصل إلى 13 كيلو مترا، وعرض يتراوح ما بين 300 إلى 500 متر.

تجولت كاميرا "إرم نيوز" في عمق الوادي، على نحو حذر، وتمكنت من رصد جزء من حجم المباني السكنية المتراصّة بين الضفتين.

باتت ملامح الوادي غير مرئية، بعد أن طمستها المباني غير النظامية، وهو ما يجعل الطريق أمام السيل مغلقًا، ويهدد بتحول مجراه لتشمل أضراره المحتملة مناطق أكبر وأوسع، في ظل التقلبات المناخية العنيفة.

وسط الأزقّة المتداخلة، يظهر المشهد أكثر وضوحا؛ منازل متدافعة يغيب عنها التخطيط الحضري، وأساسات مبان ما زالت في مهدها، ومخلفات بناء يطفح بها المجرى حتى آخر بضعة أمتار من البحر..

لا يبدو الكثير من هذه المنازل متأهبا لمواجهة المجهول، وبعضها الآخر يأمل أن يكون ذلك كافيًا في وجه تقلبات المناخ.

حاولنا طرح أسئلة على بعض من صادفناهم من سكان المنطقة، وكانوا يرفضون تصويرهم بشكل قاطع، رغم ادعاء بعضهم امتلاك وثائق شرعية، فيما فضّل آخرون سرد مظلوميتهم وحقهم في العيش، متناسين ما يمارسونه بحق الآخرين والمنطقة.

حجم الحدث المؤسف في المدينة الليبية، رغم فارق أسبابه، دفع السلطات المحلية في عدن إلى بحث ما يمكن؛ للتخفيف من حجم الأضرار المحتملة في منطقة الحسوة.

وبشكل متوازٍ مع ذلك، تشهد المدينة القديمة عمليات المرحلة الثالثة من تأهيل نظام تصريف مياه الأمطار؛ بهدف صيانة القنوات المائية القديمة تحت الأرض، حتى يساعد على جريانها بانسيابية.

مع تسارع حالة النمو، وتفاقم أزمة السكن التي تواجهها عدن، وصلت رقعة المباني العشوائية إلى المعالم الأثرية، في اعتداء مباشر على التاريخ والماضي، قبل أن تزداد شراهتها مؤخرًا، وتتجه نحو مستقبل المدينة التي عرفت التخطيط الحضري قبل أكثر من قرن ونصف القرن.

ووسط غياب الحلول الناجعة لمواجهة حجم التزايد السكاني، وانعدام الرؤية في سياسة الإسكان، وتواصل الدور الخجول لسلطات الدولة، تبحث عدن عمّن يعصمها من مياه السيول الجارفة، وبطش الكوارث الطبيعية، وترجو أن لا يجمع الله بين عُسرين.

شاهد أيضا

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com