جواز السفر.. "سوق مربحة" لابتزاز اليمنيين (وثائقي إرم)

فشل اليمني شاطر الخطيب، في إسعاد والدته التي تمنت مغادرة شقيقه المعاق "عبدالكريم"، نحو المملكة العربية السعودية مع أفراد آخرين من الأسرة، بهدف العمرة وإجراء الفحوصات اللازمة، وقضاء فترة نقاهة بعد إصابته عام 2018، خلال الحرب بشظية في الرأس.

يقول شاطر، لـ"إرم نيوز"، إنه حاول الحصول على 3 جوازات سفر عن بعد، لشقيقه المصاب واثنين آخرين من الأسرة، عن طريق دفع ما يزيد عن 450 دولارا، لموظفة في فرع مصلحة الهجرة والجوازات بالعاصمة المؤقتة عدن، كان على تواصل سابق معها وأنجزت له قبل عدة أشهر معاملات لأقاربه بالطريقة نفسها، لكن الإنجاز لم يحدث هذه المرة، ولم يتمكن من استعادة سوى مبلغ بسيط من المبلغ الذي أرسله إليها، بعد مفاوضات طويلة.

حاول الرجل الاستعانة بأحد معارفه في عدن، لتقديم بلاغ في مصلحة الهجرة والجوازات ضد الموظفة، وطُلب منه الحضور شخصيًّا من محافظة إب الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لتقديم البلاغ، وهو ما لم يفضّله "نتيجة المخاوف الأمنية التي أنتجتها حالة الانقسام السياسي في البلد، والتي تحول دون التنقل بأريحية، فضلًا عن الكلفة المالية للإقامة في عدن"، على حد قوله.

بعد مماطلات مستمرة لمدة 7 أشهر، علم شاطر مؤخرًا أن الموظفة تم فصلها من عملها لكثرة مخالفاتها، ووجد نفسه يبحث عن طريقة أخرى للحصول على الجوازات، بعد يأسه من استعادة بقية المبلغ.

ضغوط مضاعفة

تواجه فروع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، إقبالًا متزايدًا من قبل اليمنيين الراغبين في الحصول على وثائق السفر، منذ قرار الحكومة الصادر أواخر العام 2018، بعدم اعتماد الجوازات الصادرة من فروع المصلحة بمناطق مليشيا الحوثي.

دفع القرار اليمنيين القاطنين في محافظات شمال البلد الأكثر كثافة سكانية، للتوجه إلى فروع مصلحة الهجرة والجوازات في المناطق الحكومية، ما ضاعف من حجم الضغوطات، ورفع الإقبال اليومي إلى متوسط يصل إلى أكثر من 11 ألف معاملة في 10 فروع حكومية، بعد أن كانت تصل إلى ما بين 700 - 1000 معاملة، وفق مصادر حكومية في وزارة الداخلية لـ"إرم نيوز".

الجواز الباهظ

على وقع الزحام الشديد نتيجة حاجة ملايين اليمنيين المتصاعدة إلى السفر لدواع مختلفة، أبرزها تلقي العلاج؛ نشأ استغلال صريح وغير قانوني، عبر وسطاء "سماسرة"، يبتزون المواطنين ماديًّا بما يصل إلى عشرات أضعاف سعر الرسوم الرسمية، مقابل تسهيل إجراءاته وصدوره بسرعة قياسية، مقارنة بالمعاملات الروتينية التي تتطلب انتظارًا طويلًا لاستلام الجواز.

يقول وكيل مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، اللواء عبدالجبار سالم، إن السبب الرئيس لتفشي ظاهرة السمسرة، يعود إلى شحّ توفّر دفاتر الجوازات، وإلى لجوء المواطنين للاستعانة بالسماسرة وتعريض أنفسهم للاستغلال.

ادفع واستلم

استكملت المسنّة نور عتيق مع ابنتيها - من سكان عدن - إجراءات معاملة استخراج الجواز من فرع مصلحة الهجرة في المحافظة، في فبراير المنصرم، بشكل روتيني وقانوني، لكن القلق ساورها حين بدأت أيام شهر رمضان الماضي في المرور، دون استلام الجوازات التي تمكنها من قطع تذاكر الرحلة الجوية إلى السعودية لأداء العمرة.

بعد مرور أكثر من شهر، قال أحد السماسرة المعروفين لدى نجلها، إن عليهم دفع مبلغ يقارب 26 دولاراً للجواز الواحد، لإيصالها بشكل عاجل إلى مرحلة الطباعة، ثم استلامها في غضون بضعة أيام، وذلك ما حدث بعد 3 أيام من دفع المبلغ.

قبل ذلك بعدة أشهر، أنهى مقدم البرامج الإذاعية على محطة "عدن المستقلة" المحلية، غيث أحمد، إجراءات معاملته لاستخراج جواز سفر، في أكتوبر تشرين الأول من العام الماضي، على نحو قانوني وسليم في غضون ساعة واحدة، واستلم قصاصة ورقية مدونا عليها اسمه ورقم معاملته وتاريخها، لإحضارها معه بعد شهر، بحسب الموعد الذي تلقاه، لاستلام الجواز.

ظلّ الشاب يتردد على مقر رئاسة مصلحة الهجرة والجوازات في مدينة خور مكسر في العاصمة عدن، خلال الأشهر التالية، إلى منتصف مارس/ آذار المنصرم، على أمل استلام جوازه، وفي كل مرة يصطدم بإحدى الحُجتين: "مافيش دفاتر"، و"لسة ما انطبعوا"، ما جعله يتيقن بأنها محاولة لحمله على دفع رشوة.

يقول غيث، في حديثه لـ"إرم نيوز"، إنه يرفض ابتزازه، وأصرّ على استلام الجواز دون أي تحايل، رغم أن لديه علاقات واسعة، "ولا يصح أن أُحدث الناس يوميًّا عبر الإذاعة عن النظام والقانون والأخلاق وغيرها، وفي النهاية أمشّي أموري بوساطة أو أكون عامل مساعد في تشجيع ابتزاز المواطنين".

دورة السمسرة

خلال هذه المادة الاستقصائية، التي استغرقت أكثر من شهرين، التقى معدّا التحقيق بخمسة سماسرة في عدن، يعتقد 3 منهم أن ما يحصلون عليه من أموال هي "مقابل جهود فريق متكامل في سبيل إنجاز المعاملة الواحدة، يدفعها المواطن برضاه لإنجاز معاملته بشكل عاجل".

وتبيّن أثناء الحديث معهم، أن دورة السمسرة تبدأ غالبًا من مواطنين يستعجلون الحصول على الجواز، خاصة القادمين من المحافظات الشمالية، وذلك إما لأمر طارئ أو تجنبًا لإنفاق مبالغ مالية كبيرة نظير الإقامة الطويلة في عدن أو المناطق المحررة، إلى حين الحصول عليه، وهو ما يدفعهم للاستعانة بالسماسرة لإنجاز معاملاتهم بشكل عاجل، حتى في ظل أزمة توفر دفاتر الجوازات.

يقوم السمسار: "أعمل الإجراءات في حال كانت المعاملة عن بعد، دون الحاجة إلى حضور المواطن المعني، فيما يختلف الأمر والثمن في المعاملات الاعتيادية، التي تتطلب التقاط صورة لصاحب الشأن الحاضر، وبعد استكمال الملف وإدخال البيانات، يتواصل السمسار مع الموظف المتعاون في الفرع، لترحيل المعاملة المطلوبة بشكل فوري إلى المركز الرئيس للمصلحة الذي نُقل جراء الحرب لتبدأ مهمة موظف آخر في الفرع الرئيس، من خلال تسلّم المعاملة المحددة، ليرفقها بالموافقة وإعادة إرسالها إلى الفرع الذي جاءت منه بشكل استثنائي، حتى يُطبع الجواز بشكل عاجل، حسب قيمة المبلغ المدفوع".

تصل رسوم استخراج الجواز بالشكل الطبيعي والاعتيادي إلى ما يعادل 6.5 دولار فقط، بينما يستخرجه السماسرة عن بعد بكلفة تصل إلى 400 دولار تقريبا، في حين يبلغ ثمن معاملة السمسار بحضور الشخص المعني قرابة 133 دولارا، يحصل السمسار على الجزء الأكبر منها، فيما يُقسم المبلغ الباقي على الموظف في الفرع والموظف في المكتب الرئيس.

عوامل أخلاقية

يقول مدير عام فرع المصلحة والجوازات في عدن، العميد، نصر فضل الشاووش، لـ"إرم نيوز"، إن استلام بعض الموظفين للرشاوى، "مرتبط بعوامل أخلاقية، ولا علاقة له بتدني الأجور".

وتنصّ المادتان 151 و 154 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994، على معاقبة الموظف العام الذي يطلب أو يقبل العطية أو المزيّة من أي نوع، بالحبس مدة لا تزيد عن 10 سنوات، في حين تصل عقوبة من يعرضها عليه أو يعده بها، إلى ما لا يزيد عن 3 سنوات.

ابتزاز جماعي

مع استمرار تدفق المواطنين للحصول على وثائق السفر من الفروع المحددة، ظهر نوع آخر من الابتزاز، عبر وكالات سياحية ومكاتب سفريات محلية، تنظّم رحلات جماعية للراغبين في الحصول على جواز سفر من مناطق الحوثيين، لإجراء المعاملات في مناطق الحكومة والعودة في غضون يوم واحد على الأقل، على أن تتولى هذه المكاتب والوكالات إيصال الجوازات إلى المواطنين، بمقابل مادي متفاوت، كما كانت خدماتها تتيح الحصول على الجواز عن بعد، دون الحاجة إلى السفر.

تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بإعلانات هذه الوكالات والمكاتب، وخدماتها المتعددة التي تقسّم الجوازات إلى أربعة أنواع: مستعجلة في غضون بضعة أيام إلى أسبوع، وأخرى عادية خلال 3 أشهر، وصولًا إلى استخراجه في غضون 24 ساعة، وخدمة تمديد الجواز لمدة عامين، ولكل طلب منها سعره الخاص، في مخالفة واضحة لوظيفتها، ولأحكام بعض مواد القانون رقم (22) لسنة 2009 بشأن السياحة.

وتواصل معدّ التحقيق، أواخر مارس/ آذار الماضي، مع أحد مكاتب السفريات، زاعمًا حاجته إلى تجديد جوازه واستخراج جوازين جديدين لقريبيه، فكان الرد أنه "يمكن التجديد عن بعد عبر مكتب جيبوتي بكلفة 400 دولار، (أي عبر السفارة اليمنية في جيبوتي).

وبشأن الجوازين الجديدين، طلب المكتب حضور مستخرجَي الجوازين إلى عدن، ودفع ما يعادل 133 دولارا بالعملة المحلية، على أن يتم "استلام الجوازين في غضون ثلاثة أيام فقط".

يشير السمسار السابق "م. أحمد" الذي فضّل عدم الكشف الصريح عن اسمه، إلى أن هذا النوع من السمسرة قائم على مبدأ المنفعة المالية المشتركة بين القائمين على هذه الوكالات ومكاتب السفريات من جهة، وموظفين مرموقين في فروع مصلحة الهجرة والجوازات ومدراء بعض أقسامها المؤثرين من الجهة المقابلة.

وقال، في حديثه لـ"إرم نيوز"، إنه يمكن تمييز بعض هؤلاء الموظفين، من خلال أوضاعهم المادية المتغيّرة، وما بات لديهم من أملاك وعقارات وسيارات فارهة؛ "لأن هذا النوع من السمسرة يدرّ دخلًا كبيرًا نتيجة لعدد المعاملات اليومية".

منذ زيارة رئيس الحكومة اليمنية الجديد أحمد عوض بن مبارك، منتصف فبراير/ شباط الماضي، لفرع مصلحة الهجرة في العاصمة المؤقتة عدن، توفّرت دفاتر الجوازات على نحو غير معتاد، ما مكن فروع المصلحة حتى أواخر أبريل/ نيسان المنصرم - وفق وكيل المصلحة - من طباعة "أكثر من 500 ألف جواز"، أي ما يقارب ثلث ما طُبع خلال العام الفارط.

يؤكد الموظف في المصلحة "ع. س. س"، أن زيارة ابن مبارك، أعقبها التزام وجدية من قيادة رئاسة المصلحة، وهناك إجراءات مشددة حاليًّا وقيود فرضتها إدارة المصلحة في عدن، تربط كل مرحلة من مراحل المعاملة بختم المدير ومسؤول القسم، وهو ما حدّ من نشاط بعض السماسرة وتحركاتهم. لكنه يرى أن ذلك مؤقت، وأن عودة الانفلات والتحايل مرتقبة خلال المرحلة المقبلة، عقب انتهاء دفعة الدفاتر المتوفرة حاليًّا، وعودة أزمتها من جديد.

"اشتي جواز"

في أواخر مارس/ آذار الماضي، أطلق اليمنيون حملة إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي تحت هاشتاغ #اشتي_جواز للضغط على السلطات الحكومية، ومطالبتها بتسهيل الإجراءات وتحسين كفاءتها وتوفير بنية تحتية وتقنية عالية، تقلل من تكاليف الحصول على الجواز، في بلد يعيش أكثر من 82% من سكانه في فقر متعدد الأبعاد - وفق الأمم المتحدة .

وقال منسّق الحملة أحمد جبران، لـ"إرم نيوز"، إن اليمنيين الراغبين في السفر إلى الخارج من طلاب ومرضى وباحثين عن عمل وأسر تسعى إلى لمّ شمل أفرادها، "يواجهون صعوبات في الحصول على جوازات السفر؛ بسبب عدم توفرها، وهو ما حرم الكثير من فرص العمل والدراسة والتدريب في الخارج".

وبحسبه، فإن الحملة تهدف إلى حثّ الحكومة على تحسين وتسهيل عملية الحصول على الجواز بسرعة وكفاءة، من خلال توفير بنية تحتية وتقنية عالية، وتقليل تكاليف الحصول عليه، "لكننا لم نجد أي تجاوب من الجهات المعنية، وليس هناك أي نية حقيقية لإيجاد حلول لهذه المشكلة التي تؤرق المواطنين، ونحن عازمون على الاستمرار بالحملة حتى تحقيق الأهداف".

أعباء السمسرة لا تقتصر على سكان المحافظات الشمالية، بل تشمل القاطنين في مناطق الحكومة، الذين يضطرون للانتظار عدة أشهر حتى صدورها، وذلك بحجة عدم توفرها، ويتعرضون للابتزاز إذا رغبوا في الحصول على الجواز بشكل عاجل، وهذا قد يبدو أمرًا مقبولًا خلال الفترة الأولى من الحرب، لكن بعد مضي 9 أعوام منها، يصبح الأمر غير منطقيٍّ أن تعجز الحكومة عن استيراد ما يكفي من دفاتر الجوازات".

شاهد أيضا

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com