الصباغة اليدوية في مصر.. مهنة تتماسك أمام التطور التكنولوجي (صور)

الصباغة اليدوية في مصر.. مهنة تتماسك أمام التطور التكنولوجي (صور)

المصدر: محمود جروين - إرم نيوز

حرف ومهن يدوية متعددة ذات طابع فني بددها التقدم التكنولوجي، حتى اندثرت وبات أصحابها في الوقت الحاضر ضمن التراث الشاهد على عصور التقلب الحضاري، بينما حاولت بعض المهن الأخرى التماسك ومحاولة البقاء، أمام موجة التقدم، والحفاظ على أصول المهنة وأسرارها.

وفي التفاصيل، تصحبك شوارع صغيرة، ودروب ملتوية، بحي أصلان في منطقة الدرب الأحمر بوسط العاصمة المصرية القاهرة، إلى رحاب أقدم مصبغة لصباغة الخيوط في الشرق الأوسط، شهدت جدرانها على أصالة المهنة وعراقتها، تحاول جاهدة مواجهة تقلبات الدهر ورياح التغيير، حيث ما زالت تعتمد على البدائية في عملية صباغة الخيوط، دون تدخل أي عامل من عوامل التكنولوجيا.

وقال الحاج عبد مدير المصبغة في حديث خاص لـ“إرم نيوز“، إن أجيالًا متعددة عايشت أقدم مصبغة ألوان للخيوط بمختلف ألوانها ما بين المبهج والحامل للسواد، والتي اعتبر القائمون عليها أنّها شبيهة بمرارة الأيام وفرحتها.

وأضاف ”حوض للصبغة ومنشفة للخيوط والنبوت“، أدوات أساسية تقوم عليها مصبغة الخيوط، بداية من دورة صباغة اللون الأساسي وحتى إخراجها بشكل نهائي، موضحًا أنّ العمل داخل المصبغة يعتمد في المقام الأول على الأيدي العاملة، نافيًا وجود أي تدخل من ماكينات أو أي معدات ذاتية العمل.

وأكد عبد أنّ مصانع الخيوط والمصابغ الحديثة أصبحت تعتمد على النظم التكنولوجية بشكل أساسي لإخراج منتجاتها على أكمل وجه وكما يريده الزبون، إلا أنّنا هنا في المصبغة اليدوية نعتمد على سر للمهنة يجعلنا نختلف عن الآخرين في ركائز الألوان وتثبيتها.

وحول درجات التحكم في صبغة اللون الذي تخرجه المصبغة اليدوية، كشف أنّها تتميز بالتحكم في درجة اللون كما هو مطلوب، بالإضافة إلى الوصول إلى لون آخر من خلال وضع بعض التركيبات وخلط الألوان، وإضافة بعض المواد الكيميائية والملح لإظهارها أكثر وضوحًا، إضافة إلى أنّ خام الصبغة له معايير محددة منذ بداية عمل المصبغة في الماضي، ولم يتم تغييرها.

تطور وحيد شهدته المصبغة منذ نشأتها على مر العصور، مُتمثل في تحويل موقد حوض الصبغة من السولار إلى استعمال أنابيب الغاز، وذلك بعد ارتفاع أسعار الوقود بشكل مضاعف، بالإضافة إلى تفادي التلوث الناتج عن أدخنة الغاز عند احتراقه، والاستفادة من سرعة التسخين بالغاز.

”منذ أن وعينا على الدنيا وجدنا تلك المصبغة كما هي موجودة الآن“، هكذا تحدث الحاج عبد عن تاريخه مع المصبغة، مشيرًا إلى أنّ الأجيال تتسلمها جيلًا تلو الآخر، وأصبحت حرفتهم الأساسية لا يجدون بديلاً عنها، حتى أنّهم اقتنعوا بأصالتها دون اللجوء إلى إدخال التكنولوجيا الحديثة أو المعدات والآلات عليها.

وبين عبد في حديثه الخاص لـ“إرم نيوز“، أن مراحل بسيطة تشهدها الخيوط منذ دخولها إلى المصبغة كي تخرج إلى النور بألوانها الزاهية، إذ إن اللون الأساسي لها يكون ”البيج“ ومن بعدها يتم وضعها على ”النبوت“، ويتم إسقاطها في حوض الصبغة إلى أن تصل درجة حرارته إلى حد الغليان، ويتم تدويرها داخل الحوض المعدني من خلال شخصين في مقابل بعضهما على الحوض، وبعد أن تتشبع الخيوط بألوان الصبغة المحددة لها يتم استخراجها تدريجيًا وطرحها على ”المنشفة“ التي تجفف الخيوط.

المرحلة الأخيرة التي تجعل الخيوط الزاهية الألوان جاهزة لتوريدها، تكمن في طرحها في الهواء والشمس بشكل مباشر بعد استخراجها من ”المنشفة“ على أعواد من الخشب و“البوص“ لمدة يوم واحد تقريباً، وبذلك تصبح جاهزة للمصانع والشركات التي يتم التعاقد معها لطرحها في الأسواق.

ولم تتأثر المصبغة اليدوية بالمصانع والمصابغ الحديثة التي تعمل بالتكنولوجيا الحديثة، وأرجع ”الحاج عابد“ ذلك إلى أنّ المصبغة اليدوية لها خصائص تميزها عن نظيرتها الحديثة، حيث إنّ الألوان تصبح ثابتة وتخرج لون العينة نفسها دون أي تبديل، وذلك في وقت أسرع، إضافة إلى قلة التكاليف ورخص أسعارها، مقارنة بالمصانع الكبرى.

إلى ذلك، تواجه المصبغة اليدوية التي وصفها الحاج عابد بـ“المصبغة البلدي“ العديد من الأزمات، جاء في مقدمتها الأزمة المالية التي أدت إلى رفع أسعار الخامات، وكان لها دور في رفع رواتب العاملين معهم بالمصبغة، وسببًا أيضًا في عزوف العديد من الشباب عن العمل بها، ”الشباب أصبحوا لا يمتلكون الصبر والعزيمة مثل الجيل السابق، حتى أنهم يريدون الحصول على الرواتب المرتفعة وهم نائمون دون بذل أي معاناة“، يقول الحاج عابد.

”سر المهنة وأصالتها“ يعد السلاح الوحيد الذي يلجأ إليه القائمون على المصبغة في مواجهة رياح التغيير في التقدم بالمهنة والتعامل معها بطريقة حديثة، تواكب العصر التكنولوجي الحالي وثورة التقدم الصناعي، وخاصة مع ضعف الإمكانات سواء المادية أو التقنية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com