ممرات الهجرة المتلاشية التي قادت اليهود من حلب إلى مانشستر

ممرات الهجرة المتلاشية التي قادت اليهود من حلب إلى مانشستر

المصدر: خالد الرواشدة - إرم نيوز

شجعت تجارة النسيج البريطانية اليهود السوريين الطامحين لمغادرة موطنهم الأصلي و الذهاب إلى بريطانيا، قبل أن يسدل الستارعلى تاريخ هجرة اليهود من الشرق الأوسط إلى أوروبا بسبب الحدود الدولية القائمة، وفقا لموقع ميدل إيست آي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط.

ويعتقد أن ابراهام باتيس كان أول تاجر يهودي سوري وصل إلى مانشستر، قادما من سوريا، حيث وصلها عام 1843 . انحدر باتيس من مدينة كلس التي كانت تعد جزءا من ولاية حلب العثمانية، و تقع الآن في الجانب التركي المحاذي تماما للحدود السورية، ولموقعها الهام لعبت دورا في الشهور الأخيرة، حيث تتم معالجة جرحى الحرب السورية فيها و تستضيف آلاف اللاجئين.

و بعد مضي أكثر من 150 سنة على رحلة باتيس من تلك المدينة، باتت كلس الطريق الأخير الذي اتخذته آخر عائلة يهودية سورية من حلب، والتي تم تهريبها من سوريا إلى تركيا بمساعدة رجل أعمال إسرائيلي-أمريكي و بعض الثوار من الجيش الحر العام الماضي. كان هذا العبور الختام لتاريخ تواجد اليهود في حلب و الذي استمر 3 آلاف عام.

لقد حافظت بريطانيا و خاصة مانشستر على مكانتها في تاريخ هجرة اليهود السوريين قديما وحاليا وذلك في ضوء تدفق المهاجرين إلى أوروبا ووصولهم إلى شواطئ القارة العجوز.

و في المنطقة التي تدعى ”ميلت أو مانشستر “ كتب المؤرخ فريد هاليدي في تسعينيات القرن الماضي أن امتزاج الثقافات طال العديد من أشكال الحياة اليومية حتى الطعام أيضا، فهناك ”الكبة و المجدرة يوم السبت و الدجاج الإنجليزي المشوي و فطيرة التفاح وحلوى الحليب يوم الأحد ”. لقد كان من الطبيعي أن تسمع الأشخاص يتحدثون اللغة العربية في شوارع ديدسباري وذلك حتى بعد الحرب العالمية الثانية. 

وأصبح جنوب مانشستر موطنا ليهود ”السفارديون“ ولسلالة العائلات اليهودية التي طردت من إسبانيا و البرتغال في العام 1400 و لكنهم بعد ذلك تم ضمهم من قبل يهود ”المزراحيون“ العرب القادمين من الشرق الأوسط.

تشبه قصصهم قصة باتيس القادم من سوريا، حيث عقدوا الأمل على اتخاذ مانشستر، المدينة الصناعية الرائدة في بريطانيا، موطنا لهم.

السفارديون..

اليوم و في كنيس شار حاييم يصلي يهود مختلفو الأصول من مصر و العراق ولبنان واليمن وإيران وسلالة اليهود السوريين الذين هاجروا سابقا. ففي تسعينات القرن الماضي، دمج المجتمع اليهودي في كنيس واحد كبير، العديد من المعابد اليهودية المنفصلة التي أقام أغلبها اليهود السوريون.

ارتدى أولئك السفارديون أزياء رسمية و اعتنوا بالمظاهر أثناء الطقوس الدينية بينما توجه اليهود السوريون و غيرهم من اليهود العرب، إلى طقوس أقل رسمية حيث استطاعوا أن يمارسوا طقوسهم دون التقيد الشديد بالرسميات. لقد شكل التوجه إلى تلك الطقوس الأقل رسمية، تيارا طال كنيس ”شار ساديق“ ذي الأغلبية السورية و الذي عدّ في ذاك الوقت بيت عبادة منفصلا و بيت عبادة مهجورا حاليا.

تفصح صور الحاخامات الملتقطة داخل القاعة الرئيسية لكنيس شار حاييم عن الجذور المصرية و العراقية و السورية، وفي هذه الأيام يتزعم الطائفة الحاخام ”إمير إيلوتيف“ المنحدر من عائلة تجمع الأصل الروسي و المغربي. يشرح الحاخام سبب توجه اليهود السوريين إلى مدينة مانشستر في القرن التاسع عشر، و يشرح أحوالهم إلى مطلع تسعينات القرن الماضي.

“ في ذلك الوقت كان متوسط عدد أفراد الأسرة السورية العادية 6 أو 7 أولاد، أقام الآباء في سوريا و رغبوا في إرسال أبنائهم خارجا لتوسعة أعمالهم التجارية : واحد إلى الأرجنتين و واحد إلى بنما و واحد إلى نيويورك و واحد إلى مانشستر“.

و تابع ”بهذه الطريقة أصبحت لديهم شبكة حول العالم، إنها طريقتهم في إدارة أعمالهم التجارية“.

ففي ذلك الوقت لم يكن ”السبب الرئيسي“ لهجرة اليهود من سوريا هو النزاعات أو الاضطهاد أو الضغوطات بل كانت ”التجارة“.

و بهذا الصدد قالت ليديا كولين مؤلفة كتاب“ السفارديون في مانشستر نسبهم و ريادتهم في المجتمع“ و الذي يعد دراسة استثنائية حول المجتمع اليهودي في مانشستر ”أولئك اليهود لم يكونوا الأشخاص الذين قدموا وليس معهم ما يقدمونه“. 

وتضيف كولين: “ لم يأتوا كلاجئين و ليس بالضرورة من أجل البقاء و الإقامة، لقد كانوا تجارا على شاكلة وكلاء للأعمال التجارية يعملون لصالح أشخاص في موطنهم الأصلي“

“ السنة القادمة في مانشستر“

قدمت عائلة رجل الأعمال المحلي جوي ديويك إلى مانشستر في القرن العشرين تاركة وراءها جذور المجتمع اليهودي القديم في حلب التي أصبحت موطنها في مطلع القرن العشرين“.

قال جوي: “ كانت جدتي من عائلة فارحي و التي كانت إحدى أشهر العائلات في حلب و دمشق “ في الحقيقة ، كانت عائلة جوي من العائلات الشهيرة لدرجة أنها شغلت مناصب رفيعة في الإدارة العثمانية الكائنة في سوريا ذلك الوقت، و ترأست العائلة أيضا خزانة مقاطعة دمشق منذ القرن 18 و ما بعدها.

يضيف جوي: “ كان سبب شهرة عائلة جدتي هو حيازتها لإنجيل فارحي “ و إنجيل فارحي هو مخطوط للإنجيل تمت كتابته في القرون الوسطى في فرنسا وذلك ما بين عام 1366 و 1383 حيث بقي مع العائلة بشكل مؤقت و انتهى وقت إعدام حاييم فارحي، أحد أجداد جوي، و من ثم تمت إعادة الإنجيل للعائلة و بقي مع جدة جوي و من ثم تم بيعه في أوائل تسعينات القرن الماضي،  و حاليا يتواجد في قبو إحدى الكنائس في جينيف.

ويتابع جوي: “ كانت حلب في يوم ما مركز تجارة النسيج في العالم أجمع، حيث هاجر العديد من اليهود إلى سوريا من أجل ذلك“.

لقد اشتهر ممر الهجرة بين اليهود السوريين المقيمين في حلب , فوفقا لما ذكره جوي فإن “ اليهود اعتادوا القول ”السنة القادمة في مانشستر“ و هي تحوير للعبارة اليهودية المشهورة التي يتداولها المجتمع اليهودي في عطلهم و التي تنص “ السنة القادمة في القدس“ .

و يدل التاريخ الموثق عن طائفة السفارديون في مدينة مانشستر، على أن العادة جرت حينما يولد ابن لأحد التجار اليهود في حلب أن تصبح عبارة “ ربما سيعيش في مانشستر “ جزءا من كلمات المباركة التقليدية.

قال جوي “ كانوا يعتقدون أن مانشستر تحتوي على شوارع ممهدة بالذهب بحيث يمكن للجميع أن يذهبوا هناك و يجمعوا ثروتهم الخاصة و بعضهم فعل ذلك حقا“.

تمهيد الطريق

كان اليهود السوريون في طريق هجرتهم إلى المدن الكبرى مثل مانشستر يتبعون الطرق التجارية ولكن اليوم، يقول مارلو سخروفر الخبير في تاريخ الهجرات من جامعة لايدن في هولندا، أن طرق الهجرة التي سلكها يهود حلب إلى مانشستر قد ”اختفت بكل بساطة“.

وبعد حدوث الأزمة الاقتصادية في ثمانينات القرن الماضي، أصبحت الدول أكثر تشددا في مسألة الهجرات والتي أسفرت فيما بعد عن اتفاقية دول الشنغن الأوروبية عام 1985.

و نتيجة لذلك، تم الحد من إمكانية دخول وعمل المهاجرين في دول الاتحاد الأوروبي فاتحة المجال أكثر ”للعمالة المهاجرة“ القادمة إلى أوروبا وفق برامج ممولة و منظمة“ أو فقط للأشخاص الأثرياء.

تظهر خطط الدول الأوروبية في إبعاد عشرات الآلاف من طالبي اللجوء ممن تم رفض طلبات لجوئهم الإنساني، كيف تغير مفهوم الهجرة لدى الأوروبيين. لقد تغيرت النبرة تجاه المهاجرين، فقد ظهر مفهومان ثنائيان في ذهن الدول الأوروبية حول اللاجئين الذين يستحقون اللجوء و المهاجرين الذين لا يستحقون القدوم. لقد أصبحت الهجرة بحد ذاتها مصدرا للشكوك و تهديدا للأمن و محور المناظرات التي تبث على التلفاز.

قال جوي “ اعتقد أن عائلتي كانت ستعتبر نفسها عائلة مهاجرة لو شهدت الأوضاع الآن، لقد جاؤوا هنا و لكنهم دائما يفكرون في السنة القادمة ،  فكانوا يقولون إنهم سيكونون في نيويورك السنة القادمة، لقد أمضوا طيلة حياتهم مستعدين للرحيل“.

اليوم، بقي عضو واحد فقط من طائفة شار حاييم ممن ولدوا في حلب يقطن في جنوب مانشستر. العديد رحل إلى أماكن أخرى منها و بشكل رئيسي نيويورك و إلى أمريكا اللاتينية وعدد قليل إلى إسرائيل. قال الحاخام إيلوتيف إن الاندماج له أثره الأكبر على المجتمع اليهودي، فاللغة الأم من النادر أن تستخدم الآن و تقاليد العائلة التجارية تم التخلي عنها، كذلك يعتقد جوي أن المجتمع اليهودي آخذ بالتلاشي، مستشهدا بكنيس شار حاييم الكبير الذي كان يوما ما ممتلأ عن آخره، أما الآن فهو ”فارغ“ لمجتمع يهودي عربي طريقه إلى التلاشي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com