المندائيون.. من التعبد على ضفاف الأنهار إلى صنابير المياه – إرم نيوز‬‎

المندائيون.. من التعبد على ضفاف الأنهار إلى صنابير المياه

المندائيون.. من التعبد على ضفاف الأنهار إلى صنابير المياه

المصدر: خالد أبو الخير - إرم نيوز

تغيرت حياة الصابئة المندائيين الذين اضطروا لمغادرة العراق عقب الاحتلال الأمريكي في العام 2003 كثيرًا عن تلك التي ألِفوها على ضفاف دجلة والفرات لِمئاتٍ من الأعوام.

وتناول تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية التغيرات التي أصابت حياة أتباع تلك الطائفة بعد مغادرتهم العراق إلى الأردن.

ونقل التقرير عن ”عبد الحسن“، الصابئي، الذي اغرورقت عيناه بالدموع وهو يتذكر حياته قبل الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، عندما كانت الغالبية العظمى من الصابئة المندائيين تعيش هناك: ”ليس من السهل أن تترك وطنك“، هذا ما قاله الرجل البالغ من العمر 49 عامًا ”غير المستقر“ في منزله في العاصمة الأردنية عمان، مضيفًا: ”شعرت بالهزيمة،  أتمنى أن أغمض عيني وأعود إلى العراق الذي أعرفه قبل أن تعمه كل هذه الفوضى“.

قبل الغزو الأمريكي كان ما يقرب من 70 ألفًا من المندائيين في العالم يعيشون على طول نهري دجلة والفرات، إلى جانب روافد تتدفق إلى شط العرب أو في جنوب العراق وكان أكبر عدد من المندائيين يتركز في بغداد.

قال حسن، وهو أب لخمسة أطفال صغار: ”قبل أن تأتي أمريكا إلى هنا، كنا نعيش في سلام، وبعد عام 2003، انهارت حياتنا“.

اليوم، هناك أقل من 5000 من المندائيين لا يزالون في العراق، وفقًا لمجموعة حقوق الأقليات.

أهداف سهلة

عاش أجدادُ المندائيين بالقرب من  أنهار بلاد ما بين النهرين القديمة؛ إذ يركز نظام معتقداتهم على المياه المتدفقة، والتي يعتقدون أنها تمثل المكون الأساس للحياة.

قال حسن: ”أينما كانت هناك أنهار في العراق، ستجد المندائيين هناك. أي شيء نفعله من أجل الله، يجب أن نفعله بجانب الأنهار“.

يتناقض واقع حسن الحالي كطالب لجوء في الأردن بشكل حاد مع الطريقة التي وصف بها حياته في العراق. يقوم حسن اليوم بأداء صلاته من خلال الانحناء إلى جوار صنبور في الهواء الطلق في منزله في عمان، يقرأ نصوصًا مقدسة باللغة الآرامية وهو يرش مياه الصنبور على وجهه وجسمه.

وفي حين أن بعض جماعات حقوق الإنسان ذكرت أن المندائيين عانوا من النزوح القسري تحت حكم صدام حسين، فإن طالبي اللجوء المندائيين في الأردن أخبروا ”الإندبندنت“ أن الطائفة في ظل الحكم الاستبدادي شعرت بالأمان.

وقال حسن: ”بالطبع، واجهنا دائمًا الاضطهاد لكن كان معظم ذلك يأتي من أفراد،  كانت لدينا قوانين ونظام قانوني علماني قوي يحمينا ”.

وذكر قاسم الماضي، أحد الصابئة المندائيين الذين أحضروا عائلاتهم إلى عمان في عام 2017، للبحث عن ملجأ، إن الطائفة بدأت تلاحظ المزيد من الأيديولوجيات المتطرفة تنتشر في جميع أنحاء العراق في أعقاب الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، لكن النظام القانوني كان قويًّا بما فيه الكفاية لاحتوائها.

وقال إبراهيم المرعشي، أستاذ التاريخ المساعد في جامعة كاليفورنيا الحكومية:“قبل الإطاحة بنظام صدام عام 2003 ، كان العراق دولة بوليسية؛ ما يعني أنه ستتم متابعة جميع الشكاوى المقدمة إلى السلطات العراقية تقريبًا، واعتبر أي نشاط إجرامي، حتى السرقة البسيطة، تهديدًا لأمن الدولة“.

وأضاف مرعشي: ”مع ذلك، بعد عام 2003، تم تفكيك البنية التحتية الأمنية للعراق، خصوصًا حين أضحَتْ الشرطة في كثير من الأحيان مستهدفة من قبل الميليشيات المسلحة، هذا إلى جانب نقص الموارد؛ ما تسبب في انهيار نظام الشرطة في العراق“.

تشكلت ميليشيات مسلحة لحماية المجتمعات في الفراغ الأمني ​​الذي أعقب الإطاحة بصدام، وسرعان ما أصبح المندائيون أهدافًا للميليشيات بسبب ثروتهم كصائغين مهرة ومبادئهم الدينية الصارمة التي لا تسمح بالعنف أو ملكية الأسلحة – حتى في حالة الدفاع عن النفس.

200 قتيل

ووفقًا لاتحاد جمعيات المندائيين (MAU) ، فإن أكثر من 200 من المندائيين هم من بين مئات الآلاف من المدنيين الذين قتلوا في العراق منذ عام 2003 ، في حين تم اختطاف مئات من أعضاء الطائفة للحصول على فدية.

وقال حسن : ”لقد قالت أمريكا إنها ستخلق الحرية في العراق، لكنها فعلت العكس“. ”سرقت أمريكا حرياتنا وخلقت فوضى. أمريكا دمرت العراق ودمرت ثقافتنا وحياتنا“.

الماء للعبادة

في الأردن، الذي يستضيف أكثر من 1.3 مليون من طالبي اللجوء واللاجئين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أصبح المندائيون في مأمن من الاضطهاد الشديد الذي واجهوه في العراق، لكن حياتهم أبعد ما تكون عن المعتاد.

يوجد في البلد نهر رئيس واحد فقط: نهر الأردن. لكن السلطات منعت المندائيين من استخدامه لممارساتهم الدينية، لأنه عامل جذب سياحي، حسب المجموعة.

تحول المندائيون إلى استخدام المياه في وادي شعيب، وهو ينبوع. قال ”عيسى“ (صابئي): ”إنه ليس نهرًا، لكننا ذهبنا إلى هناك لأنه لم يكن لدينا خيار آخر“.

وتقول الصحيفة إن ”الحكومة الأردنية منعتهم  في عام 2016 من الوصول إلى الوادي، بدعوى حمايتهم“.

يتعيَّن على المجموعة الآن الوصول إلى المياه على أراض خاصة في ينابيع البحاث في عمان، حيث يدفع كل منهم  زهاء 4 دولارات للوصول إلى المياه، التي يؤمونها في المناسبات الدينية الخاصة مثل: الزواج، والتعميد.

ووفقًا لاتحاد جمعيات المندائيين (MAU) ، ينتشر المندائيون الآن في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، مع ما لا يقل عن 1400 من المندائيين يطلبون اللجوء في الأردن.

وحذرت جماعات حقوق الإنسان من أن لغة وثقافة ودين المندائيين القديمة تواجه خطر الانقراض بسبب نزوحهم حول العالم.

وقال حسن: “ العالم تجاهلنا. لا أحد يحاول حمايتنا ”.

وأضاف: ”إن طالبي اللجوء واللاجئين المندائيين فقدوا الأمل في بقاء ممارساتهم الدينية. ”نحن نبحث فقط عن الأمان والمستقبل لأطفالنا“. ”ليس لدينا الطاقة للتفكير في بقاء ثقافتنا“.

لا يُسمح لطالبي اللجوء بالعمل في الأردن ويقول MAU إن المندائيين لا يتلقون المساعدة من وكالة الأمم المتحدة للاجئين في عمان، ويعيش الكثيرون منهم على مدخراتهم المتضائلة من العراق.

ويقدر حسن أن مدخراته الحالية لن تدوم أكثر من عام آخر، وفرصته الوحيدة في حياة طبيعية له ولأسرته هي إذا تمت إعادة توطينهم، لكن جميع طلباتهم رُفضت حتى الآن.

قال حسن: ”لا يهمني أي بلد أذهب إليه“. ”أريد فقط أن أذهب إلى بلد يمكن أن تكون فيه عائلتي آمنة؛ سواء كانت تلك هي فرنسا أو الصومال، لا يهمني. حياتنا صعبة للغاية وغير مستقرة. عندما تنتهي أموالنا، لن يكون أمامنا خيار سوى العودة إلى العراق للموت ”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com