باب شرقي في دمشق القديمة
باب شرقي في دمشق القديمةمتداولة

"الشارع المستقيم".. اختصار لألفي عام من تاريخ دمشق

السائر في الشارع المستقيم يشعر أنه يراجع ما يزيد على ألفي عام من السِّيَر والآثار والتاريخ المديد لمدينة دمشق؛ إذ يمتد من باب الجابية إلى باب شرقي على مسافة 1566 متراً، وهو الشارع الوحيد المذكور بالاسم في الإنجيل، كما أنه شاهد على تحرير دمشق من الرومان.

يبدأ الشارع من جهة باب الجابية، وكان اسمه بالرومانية "آبيا" أي الطريق المستقيم، وبعدها سُمِّي بسوق "جقمق" أيام المماليك نسبة إلى نائب الشام الأمير "سيف الدين جقمق"، ثم تحوّلت التسمية أيام الاحتلال العثماني إلى "سوق مدحت باشا" عندما قام الوالي بتوسيعه سنة 1878 م، كما جُدِّدَ أيضًا أيام الوالي "رؤوف بك"، ثم قام الوالي "حسين ناظم باشا" بتغطيته بالتوتياء، بعدما كان مسقوفاً بالخشب أيام المماليك.

أخبار ذات صلة
دمشق.. الشام "ذات الأعمدة" و"باب الكعبة" (صور وفيديو)
أسواق دمشق
أسواق دمشقإرم نيوز - خاص

السوق اشتهر بصناعات الأقمشة، وخاصة صناعة "العُكْلْ" و"الحَطَّاتْ" والعباءات الأكثر فرادةً على مستوى العالم، وفيه الكثير من المساجد ومنها "جامع السادات" حيث دُفنت جثامين الشهداء الذين طالتهم يد الحرب عندما دخل "خالد بن الوليد" من باب شرقي بالسيف، بينما أعطى أبو عبيدة الجراح السُّكان الأمان من باب الجابية، والاسم الحقيقي لهذا الجامع هو "جامع السادات الشهداء"، وفيه مقام الصحابي "معاذ بن جبل".

وعلى طول الطريق المستقيم ستُصادف عشرات المساجد الصغيرة، ومنها: جامع السادات المنجدين، جامع هشام (راوي القرآن الكريم عن قراءة ابن عامر الدمشقي)، جامع عبد الله بن ذكوان (راوي القرآن أيضاً عن ابن عامر)، جامع الخريزاتية، ومئذنة الشحم.

أحد مساجد دمشق المطلة على الشارع المستقيم
أحد مساجد دمشق المطلة على الشارع المستقيمإرم نيوز - خاص

كما ستُصادف الكثير من الخانات منها: خان جقمق، خان الزيت، خان الحماصنة، خان الدكة، خان التتن، خان الصدراني، خان سوق القطن، خان أسعد باشا، وسوق الدراع، وسوق السكرية... ثم شارع الأمين، وقوس الآثار مقابل الكنيسة المريمية، وبعدها القشلة، حيث كان يتجمّع جنود الاحتلال الفرنسي، ثم باب شرقي.

في بداية السوق المسقوف ستلفتك الكثير من التفاصيل، سواء منها المُتعلِّق بألوان بضائع المحال على طرفي الطريق من ملبوسات وبياضات وعباءات وبُسط وملايات، وبرفقة الألوان ستصحبك الروائح المنبعثة من مطاحن القهوة، ومحلات البزورية، والمحامص، ودكاكين العطارة.

أخبار ذات صلة
سوق السروجية.. نموذج راقٍ للعمارة الإسلامية في دمشق (صور)
أحد أقواس الشارع المستقيم في دمشق القديمة
أحد أقواس الشارع المستقيم في دمشق القديمةإرم نيوز - خاص

وما هي إلا أمتار قليلة حتى تظهر محلات بيع الأواني النحاسية والشرقيات وبعض ورشات الصناعات اليدوية، لتأتي بعدها "المدرسة المحسنية" التي أنشأها "محسن الأمين العاملي" صاحب كتاب "أعيان الشيعة"، وكان من علمائها ومرجعاً بارزاً فيها، حتى أن حي "الأمين" القريب سُمِّي باسمه، ثم تصادف بناءً فخماً بلافتة كبيرة كُتب عليها "مجمع السيدة فاطمة الزهراء. تمت توسعته وتجديده عام 2015، بينما تبرز في عمق المشهد مئذنة جامع فاطمة.

وتطالعك بعد ذلك الكنيسة المريمية، مروراً بمطرانية الروم الأرثوذكس، ومطرانية السريان الكاثوليك، ومطرانية الأرمن الأرثوذكس، والنَّصب في وسط "حديقة القشلة"، الذي يذكّر بشهداء مذبحة الأرمن 1915، وليس انتهاءً بدخلة "حنانيا" التي خرج منها "بولس" الرسول، مارًّا بباب شرقي، إلى كنيسة باب كيسان، وبعدها إلى كل العالم مُبشِّرًا بالمسيحية.

الشارع المستقيم - روائع فن العمارة البيزنطية
الشارع المستقيم - روائع فن العمارة البيزنطيةإرم نيوز - خاص

"الشارع المستقيم" أو "الزُّقاق القويم" بتسمية أخرى هو الشارع الوحيد الذي ذُكِر بالاسم في الإنجيل بعهده الجديد، وذلك في سفر أعمال الرسل (الإصحاح 9، الآيتان 10 و11) "وكان في دمشق تلميذ اسمه حنانيا فقال له الرب في رؤيا: يا حنانيا، فقال: ها أنذا يا رب،  فقال له الرب: قم واذهب إلى الزقاق الذي يقال له المستقيم، واطلب في بيت يهوذا رجلاً طرسوسياً اسمه شاول لأنه هو ذا يصلي"، ثم ساعده على الهرب من الرومان الذين حاولوا قتله، مارًّا بجزء من الشارع المستقيم باتجاه كنيسة باب كيسان التي سُميت بكنيسة بولس الرسول، وباتت محجًّا للمسيحيين، وزارها البابا يوحنا بولس الثاني أثناء جولته في دمشق عام 2001.

تُشير المراجع إلى أن تاريخ بناء الشارع المستقيم يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، بعد دخول الرومان إلى دمشق بقيادة "بومبسوس" عام 64 ق.م، بينما تنسب بعض الدراسات بناء هذا الشارع إلى اليونانيين القدماء "الهيلينيين" الذين بنوه من غرب المدينة إلى شرقها ليكون صلة للارتباط بين باب شرقي الذي يمثِّل إله "الشمس"، وباب الجابية الذي يمثِّل ابنه "زيوس" من أجل أن يحفظا هذه المدينة.

ما زال هذا الشارع يعتبر من روائع فن العمارة البيزنطية، وكان يقوم على جانبيه صفان من الأعمدة الكورنثية الضخمة، لم يتبق منها سوى "قوس الآثار" المقابل للكنيسة المريمية، بينما شهد ترميم الجزء الغربي منه الذي حصل عام 2008 العثور على العديد من المعالم الأثرية، التي دُفِنت تحت سوق مدحت باشا بأعماق متفاوتة يصل بعضها إلى عشرة أمتار.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com