تذبذب في الأسواق التركية بعد دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ

تذبذب في الأسواق التركية بعد دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ

المصدر: عبد الجواد فوزي - إرم نيوز

تتأرجح الليرة التركية تحت وطأة واحدة من أكبر حالات العجز بالحسابات الجارية في الأسواق الناشئة، وسط تضاعف التضخم في البلاد، وفقدان البنك المركزي التركي لمصداقيته، إذ يتآكل جدار الثقة بين المستثمرين والبنك المركزي بعد عدم إيمانهم بقدرته على تثبيت أسعار السوق خلال فترة حكم الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.

ووفقًا لما نشرته وكالة أنباء ”بلومبيرغ“ الاقتصادية الأمريكية، يشعر العديد من المستثمرين بالقلق إزاء تهديدات الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بفرض عقوبات ضخمة على الجانب التركي على خلفية تأزم العلاقات بين البلدين، بسبب احتجاز تركيا لقس أمريكي، وتوجيه عدة تهم إليه.

ويعد قرار وزارة الخزانة الأمريكية، الأربعاء، بفرض عقوبات ضد ثنائي من وزارء الحكومة التركية بمثابة إشارة لنجاح الإدارة الأمريكية في هذا الصدد بعد تراجع الأسواق التركية.

كارثة

وحول وضع الأسواق التركية بعد فرض العقوبات الأمريكية يقول ميشيل دانشي، مدير المحفظة الاستثمارية بشركة ”فيدرا بارتنرز“ المحدودة في لندن: ”الأمر يعد بمثابة كارثة بالنظر إلى هشاشة الاقتصاد التركي، والأسواق يجب ألا تشهد أخبارًا سيئة في الوقت الراهن، ما قد يؤثر على التدفق الأجنبي“.

وسجلت الليرة هبوطًا قياسيًا بواقع 1.9%، ليصل إجمالي انخفاضها لهذا العام إلى 25%، فيما ارتفعت عائدات السندات الحكومية لتصل إلى نسبة 19.48% وسط انخفاض مؤشر بورصة أسطنبول 100 بنسبة 3.2%.

واستعرضت وكالة ”بلومبيرغ“ آراء أبرز رجال الاستثمار والاقتصاد حول العالم في التأثير المحتمل للعقوبات الأمريكية على الأسواق التركية، حيث يعتقد كريستيان ماجيو، رئيس قسم التخطيط للأسواق الناشئة لشركة “ TD Securities“ في لندن، أن ”هذه العقوبات أمر سيئ، إذ تعد بمثابة حادثة نادرة بين أعضاء حلف الناتو“.

وأشار إلى أنّ ”هذ القرار لا يمكن الاستخفاف به، إذ لا يمكن أن يكون مجرد عنوان رئيس للخطر، بل يمكن أن تكون لهذا القرار عواقب اقتصادية ومالية واضحة، ومن الممكن أن تشهد الليرة ارتفاعًا على الرغم من عدم وجود مؤشرات لذلك بالوقت الراهن“.

واستطرد:“الخطر القائم حقيقي، إذ لم تكن العلاقات الدبلوماسية بهذا السوء منذ فترة بعيدة، فالاقتصاد التركي يتباطأ، وهناك خطر ملموس من حدوث انخفاض حاد، ومن وجهة نظر اقتصادية أعتقد أن البنك المركزي التركي سيُجبر على رفع قيمة الفوائد من جديد، إذ لم يحدث تحسن ملحوظ في العلاقات التركية الأمريكية، وأخشى عدم حدوث ذلك“.

وتابع:“ماذا بعد؟ حدوث أي انخفاض جديد في قيمة الليرة سيكون بالتأكيد نتيجة منطقية لقرارات البنك المركزي“.

تساؤلات دبلوماسية

من جانبها علّقت إنيساتيسا ليفاشوف، مديرة صندوق في خدمات الاستثمار في لندن، على الوضع قائلة:“توجد العديد من التساؤلات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية، وتركيا، ومن غير الوارد حلها في القريب العاجل، لذا فإن القس برونسون يعد الجزء المرئي من جبل الجليد في هذه المرحلة“.

واستطردت:“من المتوقع أن يعتمد أداء الأسواق التركية على مدى المخاطر التي تواجه السوق العالمية، إذ يعد السوق التركي واحدًا من أكثر الأسواق المعرضة للخطر، فالعلاقات التركية الأمريكية، والقدرة على تسوية النزاعات بين الجانبين، قد تشهد صعوبات في الوقت الراهن في حين امتلاك كلا البلدين لقيادة تمتاز بالقوة“.

وحول وضع الأسواق التركية بعد فرض العقوبات الأمريكية قال ميشيل دانشي إنّ ”الأمر يعد بمثابة كارثة بالنظر إلى هشاشة الاقتصاد التركي ويجب ألا تشهد الأسواق المزيد من الأخبار السيئة في الوقت الراهن ما قد يؤثر على التدفق الأجنبي، ومن وجهة نظري يعد الأمر مؤلمًا للغاية، لذا يتوجب على تركيا تقديم تنازلات، أو تعديلات، ويُفضل أن تحدث مبكرًا وعدم تأجيلها“.

وأكمل:“من المحتمل ألا يكون هناك المزيد من الضغط على المدى القصير في هذه المرحلة، إذ لم تساند أوروبا أو تتلاشى فرص زيادة أسعار الفوائد تمامًا“.

وقت عصيب

فيما قال نايجل ريندل، كبير المحللين بشركة المخططات المالية ”Medley Global Advisors“ في لندن:“يتذبذب السوق التركي بين حدث سلبي إلى آخر، إذ تعد نسب التضخم أعلى من أي وقت مضى، وحالة خمود في البنوك المركزية، وشكوك ما بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية في الوقت الراهن، ونتيجة لكل هذه الصدمات انخفضت رغبة الاستثمار الأجنبي في الأصول التركية وسط ظهور ركيك لليرة، حيث جاءت هذه العقوبات في وقت عصيب على الاقتصاد التركي“.

وأضاف:“يبدو أن نسب التضخم تخرج عن السيطرة وسط إعطاء البنك المركزى انطباعًا بعدم الاهتمام بالأمر، وفي نهاية المطاف سيتعيّن على صانعي القرار السياسي رفع أسعار الفائدة أكثر فأكثر، ويتبقى ما يقرب من 6 أسابيع كاملة لانعقاد الاجتماع السياسي المقبل في منتصف شهر أيلول/سبتمبر المقبل، وفي حالة استمرار هبوط الليرة بهذا الشكل الكبير التي تسير به خلال الأشهر الأخيرة ستزيد فرص انعقاد اجتماع طارئ  للبنك المركزي خلال الأسابيع المقبلة“.

واختتم:“يأمل المصرفيون في البنك المركزي في الحصول على عطلة صيفية، لكنهم حصلوا على القليل من الوقت للاسترخاء على الشاطئ قبل أن يجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إلى أنقرة لحضور اجتماع طارئ آخر“.

خصوم الولايات المتحدة

ومن جانبه علّق تريو فام، مسؤول الائتمان في الأسواق الناشئة لمجموعة ”إي إن خي“ المالية في لندن، قائلًا:“من غير المحتمل توجيه مثل هذه العقوبات لهؤلاء المتواجدين داخل روسيا، والذين تم اعتبارهم بمثابة خصوم للولايات المتحدة، لذا أستبعد توقيع عقوبات ضد الكيانات غير المشتركة بشكل مباشر في اعتقال القس الأمريكي على الرغم من إمكانية حدوث المزيد من التصعيد في الوقت الراهن“.

وأضاف:“بالنسبة لسوق الائتمان التركي نشهد فترة من الريبة، وعدم التوازن حتى تتم تسوية الموقف، وعلى الرغم من انخفاض نسب استهداف الكيانات التركية، وفرض للقيود، إلا أن الخطوات الأخيرة تمثل مستوى جديدًا في العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث من الممكن أن تستغرق مدة محاولة التطبيع بين البلدين بعض الوقت مثلما حدث بين الإدارة التركية والروسية بعد حادثة العام 2015 التي استغرق بعدها البلدان ما يقرب من عام كامل لتسوية الخلافات“.

وتابع:“توجد بارقة أمل في المشهد الحالي، وهي أن كلًا من الولايات المتحدة وتركيا لديهما شراكة في حلف الناتو، ويعتمد كلاهما على الآخر بصورة كبيرة، وعلى المدى القصير قد تتفاقم الأوضاع نتيجة لردود الأفعال التركية والأمريكية الأخيرة“.

المستثمرون قلقون

وتختتم الوكالة الأمريكية تقريرها المطول باستعراض رأى كارستن هيس، الخبير الاقتصادي في بنك بيرينبيرغ في لندن، الذي بدأ تصريحاته قائلًا: ”يعد الوضع خطيرًا للغاية على الجانب التركي، ويبدو أن الإدارة التركية لا تحمل خطر العقوبات الأمريكية على محمل الجد، إذ يعتمد الاقتصاد التركي إلى حدٍ كبيرٍ على تدفقات رؤوس الأموال لتمويل العجز الضخم“.

وتابع أن ”المستثمرين قلقون بالفعل نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وعدم اتخاذ البنك المركزي التركي للإجراءات اللازمة للوصول إلى معدل التضخم المرجو، وبالتأكيد توجد حالة من عدم الثقة بين المستثمرين الأجانب، والسوق التركية، والتهديد بفرض عقوبات ضخمة سيجعل المستثمرين أكثر حرصًا قبل التفكير في الاستثمار بالأصول التركية“.

وبيّن أنّه ”في حالة فرض الولايات المتحدة الأمريكية المزيد من العقوبات الجدية، فقد نشهد انخفاضًا كبيرًا إضافيًا في أسعار الليرة التركية، ما يشير إلى زيادة التوقعات بارتفاع نسب التضخم في البلاد“.