هل للضرائب في الخليج كلفة سياسية محسوبة؟(3)

هل للضرائب في الخليج كلفة سياسية محسوبة؟(3)

المصدر: خاص - إرم نيوز

إلى جانب الذين سجلوا ملاحظات عن انعكاسات سلبية محتملة لـ“ضريبة القيمة المضافة“ على المناخ الاستثماري لدول الخليج، بما فيه قطاع الأعمال وتدفقات السيولة والاستثمار الخارجي المباشر، فضلاً عن السياحة، فقد تحدث البعض عن كلفة سياسية ”محتملة“ ستترتب، ولو بشكل غير مباشر، على استحداث الخيار الضريبي والخروج من مفهوم وموروث الدولة الرعوية.

قرار دول مجلس التعاون باعتماد ضريبة القيمة المضافة وانتظار اقرارها في قمة المنامة القادمة، أخذ بالاعتبار، بحسب ما أكد أعضاء في الدائرة الاقتصادية بالأمانة العامة لمجلس التعاون، جملة من الاعتبارات الاقتصاية، بما فيها الأمن الاجتماعي.

فهذه الضريبة كما تقول أدبيات التوعية التي تصدرها وزارة المالية الاتحادية في دولة الإمارات، تعتبر شاملة، وتفرض بالتساوي على المنتجات والخدمات بنسب ثابتة، كما تعتبر عادلة لأنها ليست موجهة ضد فئة معينة، بما يعني في النهاية أنها نظام ضريبي غير مباشر على الدخل ويتناسب مع قيمة الاستهلاك.

المضافة غير المبيعات

ويشير الخبراء الماليون إلى أن ضريبة القيمة المضافة التي ستطبق في مجلس التعاون تختلف عن ضريبة ”المبيعات“، التي أثارت ”احتجاجات شعبية“ في العديد من الدول التي استحدثتها. ضريبة المبيعات ترتبط بالسلع فقط وتجبى في مرحلة ”البيع النهائي“ للمستهلك الذي سيتشعر مباشرة وطأة ارتفاع الاسعار. أما ضريبة القيمة المضافة، فإنه يتم فرضها على استيراد السلع والخدمات في مختلف مراحل الإنتاج والتسويق، ولا تجبى مباشرة من المستهلك إنما من المؤسسات والشركات التي تبيع المنتجات في كل مرحلة من مراحل التصنيع والتوزيع والاستهلاك. وبذلك فإن تأثيرها محدود نسبياً على الأسعار ولا يمسّ القيمة التنافسية التي تراعي الاقتصادات المحلية لدول التعاون، ما يساعد أيضا على تخفيض الاستهلاك وعدم تراكم العبئ الضريبي.

يضاف إلى ذلك، في مقام التحوط للآثار الاجتماعية والمعيشية، أن الأجهزة الرقابية الرسمية سيكون من مسؤوليتها مراقبة أين وكيف سيجري ”تحميل“ هذه الضريبة للمستهلك، بحقّ أو بدونه.

التحوطات السياسية

على المستوى السياسي، فإن بعضاً من المحللين يتناولون موضوع ”الخيار الضريبي“ لدول مجلس التعاون، من زاوية أن يستحدث جديداً سياسياً في المواثيق الاجتماعية والسيادية. ويجري في هذا السياق استذكار المفهوم الغربي الرأسمالي الذي يتحدث عن حقوق سياسية جديدة تؤول لدافع الضريبة تخوّله الرقابة على طرق جباية وإنفاق هذه الأموال، وذلك من خلال التمثيل السياسي الذي أخذ في الغرب مختلف الأشكال البرلمانية التي تعتمد صندوق الاقتراع.

في مقابل هذا الطرح الذي تروج له صحف عربية في المهجر، وناشطون خليجيون في المعارضة السياسية بعضهم في أوروبا، فإن دعاوى أخرى لا تميل لأن تعطي هذا الموضوع وزناً ثقيلاً في الكلفة السياسية، مستشهدين في ذلك بأن ضريبة القيمة المضافة التي ستطبق في 2018 وربما 2019 سبقتها مجموعة أخرى من الإجراءات الأشد وطأة، تمثلت بإعادة ترشيد نظم الدعم المقدمة للمواطنين، وتحرير أسعار المشتقات النفطية، وتخفيض الرواتب والامتيازات، وترشيد الإنفاق العام، ولم تخلق أي من تلك الإجراءات استحقاقات سياسية أو اختلالات كالتي يجري الحديث بها.

ويضيف أصحاب هذا الرأي، أن الأزمة الأخيرة التي حصلت في الكويت على موضوع أسعار البنزين، وشملت حل مجلس الامة، هي من نوع الأزمات ”الفولكلورية“ ( بحسب وصف أحد الكتاب الكويتيين) ذات الطابع المحلي المحض. فدول خليجية عديدة بدأتها الإمارات وأعقبتها البحرين والسعودية وسلطنة عمان، حررت أسعار المحروقات ورفعت عنها الدعم، ولم تحصل أية أزمة، كما يقولون. وجرى استيعاب الموضوع بمثل السلاسة التي جرى فيها أيضاً وضع رسوم أو رفعها على العديد من الخدمات التي تقدمها الدولة، والسبب الرئيس هو أن العقد الاجتماعي في دول الخليج العربية يحظى بالشرعية العميقة التي تحرص عليها كل الأطراف المتعاقدة.

النفط من ورقة ضعف إلى ورقة قوة

نقطة الترجيح التي تعتمدها دول مجلس التعاون في ذهابها مع الخيار الضريبي، بشكل متدرج، هي أن ضريبة القيمة المضافة ومثلها الانتقائية، تندرج في منظومات تنموية محلية لإعادة هيكلة الحياة العامة والتعافي مما سمي بـ“ الإدمان على النفط“، بغية تحويل هذه الثروة الطبيعية من ورقة ضعف، كما هي الآن إلى ورقة قوة.

وتزيد الأدبيات السياسية في هذا الصدد، أن النظرية التي جرى توثيقها الآن في رؤى تنموية مترادفة لدى دول خليجية عدة، ومنها الخيار الضريبي والخروج الجزئي من الدولة الرعوية، فيها من إرادة الاصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بقدر ما فيها من ”أوجاع“ الإقلاع عن الإدمان. فدول الخليج إضافة إلى أسعار النفط المنخفضة، تواجه مشكلة وقوعها في منطقة ذات مخاطر جيوسياسية كبيرة، ما يستدعي المبادرات المحسوبة، والاحتكام في النهاية هو للخيارات الأقل كلفة، ما دامت كلها موجعة.