هل ستُشعل ضريبة ”القيمة المضافة“ الأسعار في دول الخليج بعد تطبيقها؟(2)

هل ستُشعل ضريبة ”القيمة المضافة“ الأسعار في دول الخليج بعد تطبيقها؟(2)

المصدر: خاص - إرم نيوز

وهي تعتمد خيارها الضريبي انطلاقا من ضريبة القيمة المضافة، كانت دول مجلس التعاون الخليجي تسلك طريقا نصح به صندوق النقد الدولي، وجربته قبله أكثر من 120 دولة، واختبرت تكاليفه الاقتصادية بحسب ظروفها.

في شباط، فبراير الماضي، نصحت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، دول الخليج باعتماد الخيار الضريبي للمساهمة في تقليص عجز الموازنات العامة. لاغارد مقتنعة بأن أسعار النفط المنخفض ستبقى كذلك، على الأغلب، لفترة طويلة. وقد اختارت ضريبة القيمة المضافة باعتبارها الحل الأمثل على مستوى دول مجلس التعاون ككل، استنادا وفق تقديراتها إلى أن فرض نسبة ضريبة ”مضافة“ بأقل من 10% سيؤدي إلى نمو النتاج المحلي بأكثر من 2%.

وطرحت لاغارد خيارات ضريبية أخرى، لم تلق قبولاً من بعض دول مجلس التعاون، مثل ضريبة الدخل على الشركات والأفراد التي قالت وزارة المالية الاتحادية في دولة الإمارات إنها غير واردة الآن، كما اقترحت لاغارد فرض الضرائب على العقارات وهو خيار قد لا تلجأ له دول خليجية مثل السعودية والإمارات لكون هذا القطاع يمر في مرحلة انتقالية لا تحتمل الضغط عليها .

وفي شهر شباط فبراير الماضي، اتفقت دول مجلس التعاون على المضي قدماً في استحداث ضريبة القيمة المضافة لتوضع موضع التطبيق في مطلع 2018 أو 2019، وتحددت نسبة القيمة المضافة على السلع والخدمات في دول المجلس عند 5%.

الضريبة غير الرسوم

وفي تعريف عام للضريبة بأنها وسيلة تحصل من خلالها الحكومات على إيرادات لتغطية تكاليف الخدمات العامة. وتُخصص الإيرادات الضريبية عادةً لتغطية تكاليف الخدمات العامة مثل المستشفيات والمدارس والجامعات الحكومية والدفاع، وغيرها من الجوانب الحياتية المهمة.

أنواع الضرائب التي كانت موضع بحث في النطاق الخليجي الموحّد هي الضريبة المباشرة التي تقوم الحكومة بتحصيلها مباشرةً من الأشخاص الذين تمّ فرض هذه الضريبة عليهم (مثل ضريبة الدخل وضريبة الشركات).

ثم الضريبة غير المباشرة التي يتم تحصيلها من خلال وسيط (محال البيع بالتجزئة مثلاً) لصالح الحكومة من الأشخاص الذين يقع على عاتقهم عبء سداد الضريبة (مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة المبيعات).

وفي الحالتين فإن الهدف من الجباية هو المشاركة في تحمّل التكاليف العامة التي تضطلع بها الدولة، مع التزام من الدولة أن تعيد هذه الأموال لمواطنين والمقيمين ليس بشكل نقدي وإنما بخدمات.

وقد تم اعتماد الضرائب غير المباشرة التي يجري استقطاعها من المنتج المحلي والمستورد في مختلف مراحل الإنتاج والتسويق، لكن بعض الدول الخليجية مثل الكويت لديها أصلا ضريبة على أرباح الشركات تعود إلى منتصف القرن الماضي، لكن جرى قبل بضع سنوات تخفيضها من 55% إلى 15%.

على قاعدة السوق الموحدة

وكان مجلس التعاون الخليجي بدأ العام 2003 النظر في أنواع عديدة من الرسوم بينها التعرفة الجمركية الموحدة ضمن إطار السوق الخليجية الموحدة التي تتضمن أيضاً موضوع العملة الموحدة. وكان متفقاً عليه منذ ذلك الوقت أن الانتقال في الخيارات الضريبية إلى موضوع ”القيمة المضافة“ يستوجب توحيد الإجراءات بين كافة دول المجلس، لأنه دون التوحيد ستنشأ اختلالات في التكاليف والتضخم وفي انتقال الأنشطة من بلد لآخر. فالشرط الأساس لضريبة القيمة المضافة هو الإفصاح والشفافية والمتابعة الحثيثة المتكاملة من دول السوق الموحدة، وهو الأمر الذي يستوجب فترة انتقالية قد تصل سنة ونصف السنة من أجل أن تتخذ الضريبة شكلها الموثوق الذي يؤدي هدفه.

وفي سياق الإجراءات المنفردة التي جربتها بعض دول مجلس التعاون ، كانت هناك رسوم فرضت على أنواع معينة من الخدمات، كما فرضت ضرائب انتقائية في السعودية والكويت وقطر وعمان، بينما لم يكن يوجد أي شكل ضريبي في الإمارات.

أعقب ذلك، ضمن منظومة ”التعاون“ أن الكويت طلبت مساعدة صندوق النقد الدولي لفرض ضرائب على الشركات بهدف تنويع مصادر الدخل العام.

ومنعا للمجازفة والارتباك، ولضمان الشفافية والثقة التي لا تنفر الاستثمارات الأجنبية، سيكون أمام الأعمال الوقت الكافي قبل التطبيق الفعلي لنظام ضريبة القيمة المضافة. ويتعين على تلك الأعمال خلال هذا الوقت استيفاء الشروط المطلوبة التي تسمح لها بتأدية التزاماتها الضريبية. بعضها جرى المباشرة فيه بنظام ”الفوترة الموحدة“. وفي كل الأحوال يتعين على الأعمال إجراء بعض التغييرات على صعيد عملياتها الأساسية، وإدارتها المالية، والطرق التي تعتمدها في مسك الدفاتر والسجلات المحاسبية، وكذلك الوسائل التقنية التي تستخدمها، بالإضافة إلى تغييرات على صعيد مواردها البشرية مثل المحاسبين والمستشارين المتخصصين بالضرائب

قيمة التكلفة..

وفي ضوء ما أصبحت تدركه دول ”التعاون“ عن وجود تكاليف وتعقديات لتنفيذ ضريبة القيمة المضافة، فقد ظهر من يتحدث عن كلفة عالية ومردود متواضع. وكانت تقديرات هؤلاء أن نسبة الـ 5% المستقطعة ربما لا تساوي كلفة التجهيزات وأعباء المتابعة، فضلاً عن محدودية مساهمتها في تعديل عجوزات الموازنة للدول الخليجية التي ستطبقها.

تحفظات أخرى طرحت حول هذه الضريبة، بعضها يتحسب لتأثيرها على قطاع السياحة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالذات على دبي. لكن تقديرات متخصصة أظهرت أنه من غير المرجح أن تؤدي ضريبة بنسبة 5% والتي تعتبر منخفضة دولياً، إلى تأثيرات سلبية على السياح. و ظلّ محل نقاش، احتمال أن تتحول هذه الضريبة إلى صفر أو معفي على الاستهلاك المتصل بالسياحة، مع احتمال فرض ضريبة القيمة المضافة بـ ”معدل الصفر“ على الإقامة في الفنادق والأماكن السياحية والترفيهية، ومثلها بعض وسائط النقل العام.

لكن ردود فعل عديدة صدرت على هذه التحليلات، تتحدث بإيجابية عن الضريبة، وأن مساهمتها لن تقل عن 2% في نمو الناتج العام للدولة.

كلفة المعيشة؟

وفي مقابل ما توصلت إليه دول مجلس التعاون من أن الكلفة الاقتصادة لضريبة القيمة المضافة، ”محمولة“ على نطاق بيئة الأعمال والاستثمار، فإنها تعترف أيضا بأن الكلفة المعيشية على البنيان الاجتماعي ”محمولة“ أيضاً ما دام أن الضريبة الجديدة سترفع تكاليف المعيشة بنسبة غير ثقيلة.

نسبة الزيادة في الأسعار والتكاليف، وفق التقديرات الرسمية، ستتفاوت بتفاوت نمط حياة الأفراد وسلوكهم الإنفاقي. فإذا كانت هذه النفقات تتركز في المقام الأول على السلع المستثناة من ضريبة القيمة المضافة مثلاً، فإن الأثر الجديد يظل محدوداً.

موضوع الأثر الاقتصادي لضريبة القيمة المضافة، يراه آخرون من ذوي الاختصاص أنه أكثر تعقيدا مما يبدو للبعض. فهو يأتي مع إجراءات عديدة يستدعيها الانخفاض المتصل في العوائد النفطية، و يترافق ويتقاطع مع اعتبارات أخرى عديدة، ليس أقلها الجانب السياسي لتغيير أنماط الحياة في أقليم محاط بالأزمات المتنقلة.

في الجزء الـ3: هل للضرائب في الخليج كلفة سياسية محسوبة؟ 

يتبع..