هل ينهي ”اتفاق قزوين“ نزاعًا إقليميًا طويلًا حول أغلى بحيرة في العالم؟

هل ينهي ”اتفاق قزوين“ نزاعًا إقليميًا طويلًا حول أغلى بحيرة في العالم؟

المصدر: إبراهيم حاج عبدي- إرم نيوز

تعول الدول الخمس الموقعة على اتفاق تقاسم ثروة بحر قزوين الذي وصف بـ“التاريخي“، على نقلة في علاقاتها واقتصاد كل منها، تبعًا للحسابات المختلفة التي أجبرت قادة هذه الدول على الجلوس إلى طاولة واحدة بحثًا عن ”قسمة عادلة“.

ووقعت روسيا وإيران وأذربيجان وقازاخستان وتركمانستان، يوم الأحد، معاهدة بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين، والذي ظل محل نزاع بين الدول الخمس لأكثر من 20 عامًا.

وتاريخيًا، أحدث انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، مطلع تسعينات القرن الماضي، فجوة قانونية عميقة حيال وضع بحيرة قزوين، إذ ظهرت 3 دول جديدة هي كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان، تسعى إلى تقاسم الثروة الهائلة لأكبر بحيرة مغلقة في العالم، مع روسيا، وريثة الدولة الشيوعية، وإيران.

خاضت الدول الخمس، المتشاطئة لقزوين، منذ ذلك الحين، مفاوضات شاقة انتهت بالاتفاق الذي يحدد الوضع القانوني للبحيرة الغنية بالغاز والنفط والكافيار، وهو ما يمنح أملًا بتخفيف التوتر الإقليمي وإقامة مشاريع عملاقة، مربحة.

ورغم ”الاحتفاء الاستثنائي“ بهذا الاتفاق، من غير المتوقع انتهاء الخلافات القائمة دفعة واحدة، لا سيما في ظل تفاوت النفوذ السياسي والاقتصادي للدول المطلة على البحيرة التي تضم احتياطات هائلة من المحروقات تقدر بنحو 50 مليار برميل من النفط، وحوالي 300 ألف مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، فضلًا عن السلعة الثمينة الكافيار.

ومن المرجح أن تظهر عقبات كثيرة في طريق آلية تنفيذ هذا الاتفاق، خصوصًا أن الثروة الدفينة في الأعماق مؤهلة، في حال استثماره بالشكل المثالي، لإحداث ”ثورة في عالم الطاقة“.

وفيما أكد رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف أن القادة ”يشاركون في حدث تاريخي“، في مؤشر على أهمية هذا الاتفاق، إلا أن الرئيس الإيراني حسن روحاني سعى إلى التقليل من هذا الإنجاز، قائلًا إن ”ترسيم الحدود في البحر، وهو مبعث معظم النزاعات، سيتطلب اتفاقات أخرى بين الدول المطلة على بحر قزوين“، لافتًا إلى أن الاتفاق الذي وصفه بـ“الوثيقة الأساسية“ لا يضع حدًا لجميع الخلافات.

إيران الخاسر الأكبر

وبحسب التسريبات، فإن إيران نالت أصغر حصة من البحيرة بموجب بنود الاتفاق، ليكون الخاسر الوحيد المحتمل، لكنها، مع ذلك، ستستفيد من الوضوح الذي يجلبه نص الاتفاق لإطلاق مشاريع مشتركة مع أذربيجان.

وأعرب خبراء عن اعتقادهم أن ”توقيت الاتفاق مهم لإيران، فقد يساعدها على تقليص تداعيات“ العقوبات الأمريكية التي فرضت، مجددًا، بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه سلفه باراك أوباما.

وكانت إيران قامت في الماضي بمناورات بحرية للدفاع عن مطالبها في بحر قزوين.

وضع قانوني خاص

من جهته، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قادت بلاده الجهد الأكبر في هذا المسعى، إن ”هذه المعاهدة لها أهمية تاريخية“، داعيًا إلى ”تعزيز التعاون العسكري بين الدول المطلة على بحر قزوين“.

وكانت موسكو تعارض على الدوام بناء خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر مياه البحيرة بين تركمانستان وأذربيجان، متعللة بالمخاوف البيئية.

لكن تركمانستان، إحدى أكثر الدول انغلاقًا في العالم، أعلنت اليوم 12 آب/ أغسطس ”يومًا لبحر قزوين“ تكريمًا للاتفاق، معبرة بذلك عن حماستها للاتفاق الذي قد يسمح لهذا البلد الغني بالمحروقات إنشاء أنابيب في أعماق بحر قزوين لنقل الغاز الذي ينتجه إلى الأسواق الأوروبية عبر أذربيجان دون المرور بالأراضي الروسية.

ولم يتضح بعد ما إذا كان الاتفاق سيسمح ببناء هذا الخط، الذي سيؤثر سلبيًا على الاقتصاد الروسي، غير أن مراقبين يرون أن هذا الاتفاق من شأنه أن يعزز الهيمنة العسكرية الروسية في المنطقة عبر منع أي دول أخرى، غير مطلة على البحيرة، بحسب الاتفاق، من إقامة قواعد عسكرية في بحر قزوين.

وتعد قمة أكتاو في كازخستان هي الخامسة من نوعها منذ العام 2002 لكن عقد أكثر من 50 اجتماعًا على مستويات أقل منذ تفكك الاتحاد السوفييتي في سعي لتسوية خلاف حول ما إذا كان قزوين، بحرًا أم بحيرة، ما يعني أنه يخضع لقوانين دولية مختلفة.

وعقدت أول قمة للدول الخمس المطلة على البحيرة في أبريل/نيسان عام 2002 في عشق أباد(عاصمة تركمانستان)، والثانية في أكتوبر/تشرين أول 2007 في طهران، والثالثة في نوفمبر/تشرين ثاني 2010 في باكو(عاصمة أذربيجان)، والرابعة في سبتمبر 2014 بمدينة أستراخان الروسية.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي غيرغوري كاراسين إن بحر قزوين سيتمتع ”بوضع قانوني خاص، لا كبحر ولا كبحيرة“.

ومن المعروف أن لكل من ”البحر“ و“البحيرة“ تشريعاتها الخاصة في القانون الدولي، إذ يتم تقاسم البحر حسب طول شواطئ كل دولة، أما البحيرة فيتم تقاسم ثرواتها بنسبة طول شواطئ كل دولة، وتبعًا لذلك لو أنتج النفط من أمام الشاطئ الأذري فإن لروسيا حق فيه، ومثل هذه المسائل الخلافية دامت نحو 3 عقود.

ويرى محللون سياسيون، أن روسيا وإيران، بصفتهما القوتين الكبريين اللتين كانتا تهيمنان في الماضي على بحر قزوين، قد يكونا أكبر الخاسرين في هذا الاتفاق التاريخي، مشيرين إلى أن روسيا اضطرت لتقديم تنازلات في بعض القضايا ”لكنها كسبت نقاطًا لأنها أخرجت وضعًا من مأزق وصل إليه“.

وإلى جانب الاعتبارات الاقتصادية والعسكرية، التي تمهد الطريق أمام مزيد من اكتشافات الطاقة ومشروعات خطوط الأنابيب، فإن الاتفاق قد يحيي الأمل في حماية التنوع البيئي للمنطقة.

ورأى المحللون أن كميات سمك الحفش الذي تلقى بيوضه تقديرًا كبيرًا في العالم ككافيار، يمكن أن تتضاعف ”بفضل نظام حصص واضح ومشترك في مياه قزوين“.

ورغم الخلافات التي أدت إلى تعثر الكثير من المشاريع، إلا أن بعض الدول مضت قدمًا في مشروعات بحرية كبيرة مثل حقل كاشاجان النفطي قبالة ساحل كازاخستان.

وفي مفاوضاتها السابقة، أصرت إيران على تقسيم البحر إلى 5 أقسام متساوية أو التطوير المشترك لجميع موارده، لكن جيرانها لم يوافقوا على ذلك، وقام 3 منهم، روسيا وكازاخسان وأذربيجان، بتقسيم الجزء الشمالي من البحيرة بينها مستخدمة خطوط المنتصف.

ويأمل قادة الدول الخمس في أن يسدل هذا الاتفاق الستار على نزاع دام عقودًا حول الموارد الاقتصادية، وينهي، كذلك، صراعًا سياسيًا واستخباراتيًا وأمنيًا، إقليميًا ودوليًا، في أغنى بقعة في العالم.

يشار إلى أن حوض بحر ”قزوين“، هو أكبر بحر مغلق في العالم يقع في منطقة غرب آسيا، ويمتد على مساحة تبلغ 371 ألف كيلو متر مربع، ويبلغ طول البحر 1200 كيلو متر وعرضه 300 كيلو متر، ويبلغ أقصى عمق له 1023 مترًا، وتطل عليه خمس دول هي روسيا وإيران وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان، التي وقعت، أخيرًا، اتفاقًا، قال عنه الكرملين إن ”العمل متعدد السنوات للمفاوضين والخبراء سمح بإعداد نص تم التحقق منه بدقة يعكس توازن مصالح جميع المشاركين“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com