أسواق القاهرة..روائح متناغمة بين البضائع ونفحات رمضان

أسواق القاهرة..روائح متناغمة بين ال...

الريف المصري يفتقر إلى الأسواق العامرة، فيلجأ المواطنون هناك إلى أسواق المدن المجاورة لشراء لوازمهم من مواد الطعام وسائر البضائع الأخرى.

المصدر: القاهرة - من حازم خالد

القاهرة في أحد تفريعاتها سوق واحد منعقد منذ فجر التاريخ، لا يعتريه من تغير سوى التجديد مع أفق إطلالة كل صبح جديد، فهو المكان والزمان السحيق، منذ العهد الفرعوني البعيد، مكان ظل يشغل البعد الجغرافي فيه مركزاً من الأرض لا يبرحه، رغم تقلّب العهود، من فجر إسلامي عند مقدم جند الإسلام على يد عمرو بن العاص، حين أطلق يد الفسطاط في 640م، لتكون عاصمة في ذات الربع الفرعوني عند مفرق النيل واحتواه اتساع الدلتا قبل المغيب عند عتبات المتوسط في سيره السرمدي الحثيث، ولم يزد العباسيون بكل ما ادخر عنفوانهم من ترف العيش ودعة المعاش، لما سبق مذ أقدم العصور بفرعونيها وذروة اندفاعها مدها الإسلامي عند انطلاق بشراه في مسعى حضاري جديد، لم يزيدوا غير نقطة على امتداد في سطر الزمان ما عُرِف بمدينة العسكر، والتي امتزجت مع تواري الأيام، في خضم مسلك الكون المصري الكبير، الآخذ في استيعاب كل ما يعرض عليه ليتماهى في شكل جديد، وإلا قل لي بربك ما سر بقاء مصر، رغم عصف طواحين العابرين على أرضها، في شعاب ومسالك الدهور، هي مصر بوابة الشرق يعرف النافذون قدرها، ويبقى عطاؤها نفحات تتداعى مع الأيام سيرها.

توارثت الأسواق مكانها، وكذلك تدافع قيام المدائن، دفع في إثر دفع تقام بعضها لتنمحي أخرى، وذو نسب في الهالكين عريق، فمن لدن بن طولون أحمد إلى الجانب الشمالي من مدينة العسكر أقام القطائع، لتشهد من ربع حضرها عصر النسخة الإسلامية الثالثة من العواصم، وأودع في جوانبها قطع متجاورة من الأرض تضم في كل مربع جماعة ترتبط فيما بينها جنساً وعملاً، وهذا ما سمح لأولج فولكف أن يقول في كتابه ”القاهرة مدينة ألف ليلة وليلة“: ”ومازالت آثار القطائع باقية حتى الآن، متمثلة في أحياء مصر القديمة، حيث توجد تجمعات متجاورة لحرف مختلفة، فنجد شارعاً بأكمله تبيع حوانيته منتوجات زجاجية، أو عطور أو حلي ذهبية أو غيرها، مما يؤكد توارث الحرف جيل عبر جيل.. وقد شهدت القاهرة التي أسسها القائد جوهر الصقلي في عهد المعز لدين الله الفاطمي عام (969م – 358 هـ)، زحف الأسواق عليها، ومارست التجارة من خلالها من دورها من أذقتها وهذا ما ترك لنا المصورون الذين زاروا القاهرة في العصور الوسطى من بقية أحياء القاهرة القديمة من لوحات مفعمة بالحياة مكتظة بالخلق نهاراً يعبرون الحارات عبر أبواب أخشاب مشرعة نهاراً مغلقة ليلاً.

ليأتيك السوق وقد اصطفت حوانيته على مفرقين في جنبات طريق، له من الأسقف حين أو ما رفع عنه الغطاء أحيان أخرى، وكانت الحوانيت تدير أعمالها، على مصطبة فرشت بالسجاد أو الحصر حيث يجلس التاجر إلى عميله حتى اكتمال صفقة البيع والشراء.

ويروي التاريخ فيما أن هذه الحوانيت كانت تنطوي على كنوز لها ثمينة البضائع، ما كان يغلق الحانوت بباب ذي مصراعين أفقيين يستخدم العلوي منها وقت النهار، كمظلة للحانوت والسفلي كمنفذ للبيع والشراء.. في أسواق جمعت الصنَّاع والتجَّار إليها، وكانت قد بلغت من مظهر التمدن أنها كانت تغلق أبوابها ليلاً ليحرسها حراس تدفع لهم رواتبهم من ريع أصحاب الحوانيت لتقتصر كل منطقة على حرسها، وكان للحراسة شدة، حتى أن من كان تضطره ظروفه للتأخر ليلاً عليه معرفة كلمة سر حتى يتمكّن من العبور.

أسواق للمهن

وبلغ من دقة انتظام هذه الأسواق أنه حصر لكل مهنة مكان اصطفت على جوانبه حوانيتها إلا ما ندر كان لكل مهنة تقريباً سوق خاص بها، غير أن فئات الجنازين والشوائين وباعة المشروبات وأصحاب المطاعم انتشروا في كل مكان، يشير فولكف في قاهرة ألف ليلة وليلة :“ ففي سوق الحدادين كان المرء يرى الصنَّاع منكفئين على أعمالهم، وعلى بعد منهم أقام مبيضو النحاس والمرايا حوانيتهم، في سوق الصاغة كانت تباع حلي حقيقية إلى جانب أخرى مقلدة، وقد ظهرت تلك الأخيرة منذ القرن الحادي عشر الميلادي.

ونشطت الكثير من الأسواق خلال شهر رمضان، مثل أسواق التمور والبهارات والياميش والأطعمة بمختلف أنواعها، حيث سجل الرحَّالة والمستشرقون انبهارهم بروعة أسواق القاهرة خلال شهر رمضان، إذ يقول الرحَّالة الإسباني بيروتافور: ”إن أحسن وأبهى وأروع شيء يراه المرء في القاهرة هو سوقها التي تعرض فيها أكداس هائلة وكميات ضخمة من شتى البضائع الواردة من الهند“.

وفي العصر المملوكي شهدت أسواق القاهرة، العديد من الأسواق الموسمية التي ارتبط ظهورها بمظاهر احتفالية مقدم شهر رمضان، تبدأ مع قدوم الشهر الفضيل فتشرع أبوابها ولا تغلقها حتى انتهائه هي أسواق خاصة به تبدأ معه وتنتهي بانتهاء أيامه، لتعاود ظهورها عند إقباله من العام الجديد، مثل أسواق عرفت بأسواق الياميش والتمور، وأخرى بأسواق باسم ”سوق الحلاويين“: وهي سوق كانت مخصصة لبيع أصناف الحلوى المصنعة من السكر.

ولازالت بعض هذه الأسواق في مكانها حتى يومنا هذا، إذ أن الكثير من التجَّار ورَّثوا حرفهم للأجيال اللاحقة عليهم، ولعل شارع المعز لدين الله الفاطمي بانحناءاته وتعرجاته المدهشة، هو الشريان لتلك الأسواق، التي تمتد كنهر طويل في قلب القاهرة القديمة، ومنها سوق الموسكي وسوق الشماعين، حيث يبدو الشارع وكأنه كتلة من الضوء خلال ليالي شهر رمضان، تسبح فيه صنوف من البشر أتوا خصيصاً لشراء لوازمهم خلال الشهر الفضيل.

خارج القاهرة

ولا تقتصر احتفالات الأسواق بقدوم شهر رمضان، على القاهرة فقط، فهناك العديد من الأسواق التي تتبعها حركة رواج خلال أيام الشهر في المدن والقرى المصرية، ففي مدينة الإسكندرية هناك أسواق شهيرة في منطقة المنشية والأنفوشي، حيث يتوافد عليها الآلاف لشراء لوازمهم، وهكذا تنتشر الأسواق في كافة ربوع مصر، وتتصاعد النداءات المحببة لجذب الربائن، وتتزاحم الفروشات فوق الأرصقة بشتى البضائع، فضلاً عن الحوانيت التي لا تغلق أبوابها إلا في مواقيت الصلاة، وتظل ساهرة حتى مطلع الشمس ولتتجدد الحركة مرة أخرى.

إلا أن الريف المصري يفتقر إلى مثل هذه الأسواق العامرة، فيلجأ إلى أسواق المدن المجاورة له، فهناك أسواق رشيد ودسوق ودمنهور والمنصورة وغيرها، حيث يتوافد عليها الآلاف كل يوم لشراء لوازمهم من مواد الطعام وسائر البضائع الأخرى، فيما خصصت القرى لنفسها سوقاً أسبوعياً يقام في مكان وزمان معلومين لدى أهل القرية، فهناك ما يُسمى بسوق (الأحد) أو سوق (الثلاثاء) أو سوق (الجمعة)، حيث يفد الباعة ويفترشون بضائعهم، ليقبل عليها أهالي القرية، وهكذا تحتشد أسواق مصر وتحتدم المنافسة خلال أيام وليالي شهر رمضان، لتتجدد الملامح والنفحات التي تعبق الأجواء بمظاهر بهيجة ومحببة إلى النفوس.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com