ترجمة جديدة للقصص العربية الشعبية.. مائة ليلة وليلة

ترجمة جديدة للقصص العربية الشعبية.. مائة ليلة وليلة

المصدر: أحمد نصار وياسمين عماد – إرم نيوز

منذ سبع سنوات بدأ المستعرب والمترجم بروس فودج، رحلة غير متوقعة، عندما بدأ في البحث عن مجموعة من القصص العجيبة المعروفة باسم مائة ليلة وليلة.

”فودج“، الذي يعيش في المغرب حاليًا، بينما كان يبحث في مكتبات فاس ومكناس عن حكايات رائعة عن الحب والمغامرة، وعن الكنوز المخفية وعن الجن والموت، أسفر بحثه عن مبتغاه.

ويقول فودج: ”لم يسمعوا بها من قبل، فبحثت في جميع المكتبات وردّوا عليّ جميعا بلا استثناء: هل تقصد قصص ألف ليلة وليلة؟“

برغم شخصياتها الشهيرة مثل راوية القصة شهرزاد وهارون الرشيد والملكان القاتلان شهريار وشاهزمان، إلا أن جهل باعة الكتب بالأمر سبّب القليل من الدهشة لـ فودج.

أول إصدار عربي مطبوع لمائة ليلة وليلة نشر في العام 1979، وعلى الرغم من أن السبع مخطوطات الأصلية التي نجت على مدار العصور كانت مكتوبة باللهجة المغربية والتي نشأت في شمال إفريقيا، إلا أن القصص لم تقرأ على نحو واسع حتى في بلدان المغرب العربي.

ويعترف الأكاديمي ”فودج“، والذي يعمل حاليا مدرّسا للغة العربية في جامعة جينيف بقوله: ”ليست مشهورة لهذا الحد في العالم العربي، وتحديدًا أدب ما قبل الحداثة غير مشهور في أي بلد“.

لم يسبق أن رأى فودج أي من المخطوطات الرئيسية فاثنين منها في تونس وثلاثة محفوظين في المكتبة الوطنية في باريس، ولكنه قرأ جزء من الترجمة الفرنسية، والتي أكدت له بأن هذه القصص ماهي إلا نسخة موجزة لنسخة ألف ليلة وليلة.

وقد تٌرجمت إلى الفرنسية باسم مائة ليلة وليلة، حيث طبعت في باريس لأول مرة العام 1911، وبعد ذلك ظهرت الطبعة العربية والتي حررها الباحث التونسي محمود ترشونه في العام 1979، والتي تعتبر النسخة الوحيدة المطبوعة بالعربية لتلك القصص في العالم.

وبصرف النظر عن مشاركة شخصيات وقصص معينة مثل الحصان الأسود والأمير والسبعة وزراء، إلا أن فودج يؤكد بأن مائة ليلة وليلة تحتوي على اختلافات روائية هامة، والتي تطرح المزيد من التساؤلات عن مدى التطور الذي حدث للنسخة الأصلية، والذي تمّ نقله بعد ذلك.

ويضيف فودج بقوله: ”من المنصف أن نقول بأن هذه تعتبر مجموعة شمال إفريقيا، لأن أصل جميع المخطوطات التي وجدت يرجع إلى هناك، وقد كٌتبت كلها بلهجة شمال إفريقيا ولا يوجد أي أثر للحكايات في المشرق العربي، ولكن هذا لا يخبرنا عن مكان نشأة هذه القصص“.

ويرفض فودج القفز إلى استنتاجات بخصوص أصل أو تاريخ نشأة القصص، ويشكك في زعم المترجمة والمستشرقة والموسيقية الألمانية كلوديا أوت بأن مائة ليلة وليلة أندلسية الأصل ويرجع تاريخ نشأتها للقرن الثالث عشر. وظهرت ترجمة ”أوت“ لمائة ليلة وليلة لأول مرة في العام 2012، حيث رتّبت ونظمت الحكايات بالليالي.

وفي العام 2010، حيث كانت أوت قد أمضت سنوات عديدة في ترجمة أقدم نسخة موجودة لحكايات ألف ليلة وليلة، بعدما اكتشفت سابقا مخطوطة مهملة في افتتاح معرض كنوز متحف أغا خان في متحف مارتن جروبيوس بو في برلين ، والذي طُلبت فيه للعمل كموسيقية. وبينما كانت تتصفح المعرض وجدت أوت المخطوطة في خزانة زجاجية مع التحف الفنية من الأندلس، وقد كانت موجودة في مجلّد واحد مع الأطروحة الجغرافية للمدقّق الزهيري، والتي تحتوي إلى إشارة تُرجع تاريخ الأطروحة إلى العام 632 هجرية ما يوافق العام 1234 أو 1235 ميلادي، ولكن لم توجد أي إشارة على الحكايات.

ويوضح فودج في نسخته المترجمة: ”الخلط بين النسختين أمر حديث، وهناك فرق بين العمَلَين“، وكانت قد نُشرت هذه النسخة هذا الأسبوع كجزء من مكتبة الأدب العربي وهو عمل مشترك طموح بين مطبعة جامعة نيويورك وجامعة نيويورك بأبو ظبي يهدف إلى إصدار نسخ عربية وترجمات إنجليزية للأعمال الهامة في الأدب العربي.

تمّ استعادة صفحات الحكايات ولكن أطروحة الزهري لم تتم استعادتها بعد على الرغم من بعض التشابهات في النص، إلا أنه ليس هناك سوى سبب ضعيف لفرضية أن يكون الزهيري هو مؤلف هذه الحكايات.

حتى منتصف القرن العشرين كان يُفترض على نطاق واسع بأن القصص تنتمي إلى ألف ليلة وليلة، حيث تحتوي على قصص شهرزاد وعلى بابا والروخ وهو الطائر الضخم الأسطوري والذي يتغذى على الفيَلة والوحوش الضخمة الأخرى، إلا أنه من المرجح أن تاريخ نشأتها يرجع إلى القرن الـ 14 أو الـ 15.

ولكن هذه الفرضية قد تغيرت في العام 1948 على يد نابيا أبوت، وهى أول امرأة تصبح عضوا في هيئة التدريس في معهد الدراسات الشرقية في جامعة شيكاغو عندما اكتشفت قطعة ورقية نادرة يرجع تاريخها للقرون الوسطى، وتحتوي على فقرة من كتاب ألف ليلة وليلة.

ويرجع الفضل إلى تحليلها الدقيق للنصوص الأخرى المكتوبة في نفس الوثيقة، وإلى شهادة قانونية لعقد ومسودّة لخطاب شخصي، وقد استطاعت أبوت أن تُرجع تاريخ الفقرة إلى أوائل القرن التاسع.

هذا الاكتشاف الذي أرجع الأصول الأدبية لشهرزاد 1100 عام إلى الوراء، أحدث ضجة أدبية كبرى في ذلك الوقت، ومكّن أبوت من تبوؤ مكانة عالية في تاريخ ألف ليلة وليلة.

تم العثور على أول ذِّكر نصيّ لمائة ليلة وليلة، بعد ذلك بكثير في القرن السابع عشر في قائمة معروضات بأسطنبول، وفي مخطوطات يرجع تاريخ أقدمها إلى العام 1776.

ويرجع الفضل في تميّز شهريار وشاهزمان وشهرزاد إلى مخطوطتين ناجيتين يشير إليهما العلماء على أنهما إطار قصة ليلة وليلة، ومن المحتمل بأن مائة ليلة وليلة قد تكون أقدم من نظيرتها المشهورة ألف ليلة وليلة.

ويوضّح فودج بقوله: ”اهتم العلماء بالقصة الإطارية مائة ليلة وليلة لأنها تعكس نسخة أقدم تنتمي إلى جنوب آسيا، والتي يُعتقد بأنها هي أصل القصة الإطارية لألف ليلة وليلة“

ففي تلك القصص البديلة التي أعيد رسدها، أدت خيانة زوجتي الملِكين شهريار وشاهزمان إلى إعدامهما لكل النساء، الأمر الذي ألهم شهرزاد بحكاياتها كل ليلة، والتي ترتبط بمسابقة الجمال السنوية والتي تبدو تفاصيلها للقارئ العادي مشابهة بطريقة غريبة لقصة بياض الثلج.

ففي القصة، كان هناك ملك ينظر في المرآة وأراد أن يعرف ما إذا كان هناك أحد أجمل منه فردّ عليه أحد أتباعه بأن هناك شاباً هندياً يدعى زهر البستان، فأراد الملك التحقق من الأمر فبعث للشاب بأن يأتي إلى قلعته، وفي نهاية لقائهما يكتشف الملك والشاب خيانة زوجتيهما لهما، ومن هنا تبدأ القصة المعروفة بليلة وليلة.

ويرجح فودج بأن مسابقة الجمال تعتبر رواية أكثر إقناعًا من الرواية الموجودة في نسخة ألف ليلة وليلة، والتي ورد فيها بأن الملك شهريار قد قرر فجأة رؤية أخيه الأصغر الملِك شاهزمان واستدعاه إلى قلعته.

كما أشار العلماء إلى أن الرواية الموجودة في مائة ليلة وليلة تستوجب العودة إلى رواية أقدم، وهي الرواية الصينية-السنسكريتية.

عندما يتعلق الأمر بتأريخ نسختي القصة الإطارية، هناك أيضا كلام حول شقيقة شهرزاد، دنيازاد.

ففي ألف ليلة وليلة، يبدو دور دنيازاد سطحيا، حيث إنها بالكاد تعطي لشهرزاد دفعة لبدء حكاياتها، لكن في مائة ومائة ليلة، فإن دنيازاد هي التي تنام مع الملك، بينما شهرزاد هي التي تقوم بالسرد.

ويوضح فودج قائلا: ”غالبًا، عندما تنظر إلى انتقال وتحول القصص، قد تجد شخصيات غير مناسبة أو فقدت غايتها، وهذا يدل غالبا على أن شيء قد سقط من القصة أو تغير“.

وأضاف أنه من المرجح أن الشخصية ستفقد أهميتها الأصلية على أن تتمتع فجأة شخصية غير مهمة بدور أكبر إذا كنت تتعامل مع نسخة، حيث مازالت تتمتع بتلك الوظيفة، ومن المحتمل جدا أن تكون النسخة الأولى من الرواية.

إذا كانت غرابة القصة الإطارية لألف ليلة وليلة ونسختها لقصة الحصان الأبانوس وقصة الأمير والسبعة وزراء، تشير إلى قصص شرقية أقدم، كانت قد انتقلت من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا، فإن تفاصيل الرحلة تبقى لغزًا.

ويوضح فودج أنه لا يوجد أي دليل على وجود مخطوطات من الشرق الأوسط لمائة ليلة وليلة، ولا أي مخطوطات من شمال أفريقيا لألف ليلة وليلة، بالرغم من أن كلاهما يأتي من مصدر مشترك.

وإذا كانت مائة ليلة وليلة تثير تساؤلات أكثر من تقديم الأجوبة على عمر وأصول ليلة وليلة، فإن قيمتها في فتح نافذة جديدة على ما يصفه فودج بأنه مجال مهمل بدرجة كبيرة في الأدب العربي، هي أمر حاسم للأكاديمي.

ويقول الأكاديمي: ”إن مشاركة الباعث تظهر أن تطور ليلة وليلة ربما يكون أكثر تعقيدا مما كنا نظن، حيث إن كثيرا من القصص لديها نسخ قديمة أو مماثلة في المخطوطات الشرقية، لكن هذه خطوة أخرى في الانفتاح على مصدر هائل من الأدب العربي، الذي لم يكن معروفًا بشكل جيد“.

ويصر قائلاً: ”حتى الآن، يظل التعامل مع ليلة وليلة على أنها عمل جانبي، فهي لا تعتبر جزءًا من الأدب العربي التقليدي، لكني أعتقد أن هذا مجحف ولا يعطي صورة واضحة للموقف الحقيقي“.

وأضاف: ”في الواقع، هناك الكثير من المجموعات القصصية مثل ليلة وليلة من العالم العربي فيما قبل الحداثة، فالمكاتب في أوروبا والشرق الأوسط تضم عددًا من المخطوطات المهملة والتي لا تقرأ، والتي جاءت من العلماء، حيث طبقة علماء الأدب والدين الذين كانوا يكتبون لبعضهم البعض“.

ويقول فودج: ”ما لدينا هنا هو عرب يروون لبعضهم البعض قصصاً، وجانب من الحياة الأدبية العربية لا نعرف عنه الكثير، لكن هذا يمكن الوصول له بسهولة أكثر“.

فهذا الوصول هو أمر أساسي لترجمة فودج لمائة ليلة وليلة للإنجليزية، كذلك إصداره الجديد للنص العربي الأصلي. ويهدف فودج لجلب الأدب إلى قطاع أوسع من الجماهير، ومع حكايتها الموجزة التي يبلغ عددها 18 قصة، معظمها جديد بالنسبة لنا لكنه أكثر إقناعا، فإن مائة ليلة وليلة تتمتع بكل فرص النجاح.

ويؤكد فودج على أنه: ”عندما يتحدث الناس عن الأدب العربي في مرحلة ما قبل الحداثة، أود بأن يكون هذان العملان جزءا من هذه المحادثة، فأشهر عملان في الأدب العربي هما ألف ليلة وليلة والقرآن، ولكن أحدهما يشتهر بنسخته المترجمة أكثر من نسخته الأصلية فيما يعتبر الآخر غير قابل للترجمة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com