ثقافة

"حدّثينا يا شهرزاد" عن جغرافيا الألم السوري
تاريخ النشر: 16 فبراير 2016 16:59 GMT
تاريخ التحديث: 31 مارس 2021 7:44 GMT

"حدّثينا يا شهرزاد" عن جغرافيا الألم السوري

القاص عصام حسن يحاكي في نصوصه الميثيولوجيا، مستحضراً رموز التراث كـ(جلجامش، وعشتار، وشهرزاد، وشهريار).

+A -A
المصدر: مهند الحميدي - إرم نيوز

يتنقل الكاتب عصام حسن في مجموعته القصصيّة ”حدِّثينا يا شهرزاد“ الصادرة عن دار ”أرواد“ في سوريا، برشاقة أسلوبه بين اللغة الفصحى واللَّهجة العاميَّة، ليضفي على نصوصه حيويّة تجذب القارئ.

كما يعود بالذاكرة إلى الطفولة ليشاطرنا حنينه إلى حقبة البراءة، معبّراً عن صعوبة التأقلم مع الواقع، ليكون ارتكاسه الطفولي ملاذاً من مآسي الحياة اليوميَّة.

واعتمد ”حسن“ على تقنيّات جديدة بهدف تجسيد البعد الزمني النفسي في قصصه، متمرِّداً على القصَّة التقليديَّة، التي توظِّف الزمن كخلفيَّة مؤطِّرة للأحداث، ليتماثل مع الواقع فيصوِّر الحياة اليوميَّة بتفاصيلها ومجرياتها، في حين جاءت تقنية ”الاسترجاع“ لتحرّر نصوص القاص من الخضوع لمقاييس الزمن الخارجي وذلك عبر الولوج والتعمُّق في العوالم الداخليَّة للشخصيَّات، وتناول الكيفيَّة والطريقة الخاصَّة التي تتفاعل فيها الذات الإنسانيَّة مع الزمن.

وبرزت من خلال النصوص أهمية استخدام ”حسن“ لتقنيَّة الاسترجاع على المستويَين الدلالي والنفسي، إذ ساهمت في ملء الثغرات المتعلِّقة بتاريخ الشخصيَّة وماضيها وذكرياتها من جهة، بالإضافة إلى أهميَّتها في الكشف عن العوالم الداخليَّة والنفسيَّة، ليتمكَّن المتلقِّي من فهم وتعليل الحوادث ومسبِّباتها، على ضوء استيعابه لطبيعة الشخصيَّة المتأزِّمة ودوافعها.

ويحاكي ”حسن“ في نصوصه الميثيولوجيا، مستحضراً رموز التراث كـ(جلجامش، وعشتار، وشهرزاد، وشهريار).

ويُلاحظ أنَّ اللجوء إلى التراث وتوظيف شخصيَّاته، جاء ليضفي مسحة من الأصالة في نتاج عصام حسن، إذ أعاد إحياء شخصيَّات التاريخ ليبعثها بروح معاصرة، معبراً من خلالها عن أفكاره ومواقفه في الحياة.

ولا بد من القول، إنَّ هذه الشخصيَّات التاريخيَّة التي استدعتها نصوص الكاتب تحمل من المعاني الرمزيَّة والأبعاد الفكريَّة الشيء الكثير، وهي تُقابَل بالسخرية والتهميش والعنف الشديد، لكون ظهورها يعري الجوانب السلبيَّة في الحياة العربيَّة، ويفضح الحالة المتردِّية وانهيار القيم الأخلاقيَّة.

ويظهر في أعمال الكاتب -بشكلٍ جليٍّ- الهمُّ القومي، والانحياز للقضيَّة الفلسطينيَّة، في إشاراتٍ رمزيَّةٍ، يمزج فيها الهمَّ الفلسطيني وويلات الحرب، ببساطة ومرح الطفولة؛ كما نلاحظ في قصَّة ”أذكى الأذكياء“.

وينتقد من خلالها تقاليد المجتمع الشرقي، ومرارة الأعراف؛ كما يظهر في قصَّة ”خالتي السكَّرة“ متطرِّقاً إلى العلاقات الإنسانيَّة؛ من حبٍّ وعاطفةٍ وفرحٍ وألمٍ.

وفي حين يقدِّم ”حسن“ في بعض قصصه مشاهد من الالتحام مع الطبيعة الساحرة لجبال الساحل السوري؛ كما في قصّة ”عمَّتي والعصفور“، نراه في قصص أخرى ينتقل بالقارئ إلى أزقَّة دمشق وعراقة شوارعها، متوحِّداً معها في عشقٍ صوفيٍّ؛ يقول الكاتب ((انظر إلى حروف كلمتَي ”دمشق“ و“عشق“ كم هي متشابهة… في سوريَّا كل العشق)). ص(33)

ولا يغيب في المجموعة الهمّ الطبقي، إذ يسلّط القاصُّ الضوء على المعاناة اليوميَّة للطبقات المسحوقة، في بحثها عن لقمة عيشها؛ متجسّدة في شخصيَّة ”أبو شاهر“ عامل المرفأ الفقير، الذي يلقى حتفه وهو على رأس عمله، ساعياً وراء رزق عياله.

حدثينا يا شهرزاد؛ ومضات من سوريا الجغرافيا والتاريخ والإنسان والعاطفة، ينقلنا ”عصام حسن“ خلالها في رحلةٍ تبدأ بوصف الطبيعة وتنتهي بالعلاقات الإنسانيّة، بآلامها وأفراحها، مستحضراً التاريخ بمرارة انكساراته، وزهوة أمجاده.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك