قيمة الحرية للذات الإنسانية في رواية ”ترتيلة“ للروسية آيان راند

قيمة الحرية للذات الإنسانية في رواية ”ترتيلة“ للروسية آيان راند

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يقدم المترجم السعودي نوف الميموني، ترجمة حداثية لرواية ”ترتيلة“ للكاتبة الروسية آيان راند، وبطباعة من دار أثر للنشر والتوزيع 2018.

وتفتح أحداث الرواية شباكًا على مرحلة من تاريخ القمع الإنساني، لربما اليوم يتواجد، لكن بصبغة أخرى. القصة لشاب في حقبة ما مورس ضده، كما الجميع، صيغ مختلفة من القمع الاجتماعي، لحد إلغاء ذاته، لكنه بأسئلته الوجودية المستمرة، ومحاولاته لنيل ذاته، نجح في الإفلات مع من يحب، بعيدًا عن تلك الظلمة.

خطوط أولية

يأتي استخدام كلمة ترتيلة كعنوان للرواية، بصفتها الدلالية، بحيث تكون رمزًا للنفس الإنسانية، بل كما أرادت آيان راند، كذات إنسانية قولًا وفعلًا. إذ تقول:“ الذات الإنسانية ما يكنه عقل الإنسان بما في ذلك قدراته الفكرية، وتمكنه من إعمال المنطق“.وكما قالت آيان راند حول روايتها، فإنها تعتبر الخطوط الأولية التي يرسمها الفنانون للوحاتهم الفنية، مهمة سيعملون عليها في المستقبل.

الأنا

وتعمد الكاتبة في بداية سردها إلى استخدام صيغة المتكلم باسم الجمع، حين يتحدث البطل عن ذاته يقول نحن، ذهبنا.. إلخ. كتدليل على حالة النفي الذاتي للفرد. لكن تختم سردها باسترداد الذات الإنسانية حين يقول البطل: أنا.

عامود السرد

ويلاحظ في رواية ترتيلة بأن الروائية انتهجت محورًا واحدًا  أثناء الكتابة، وركزت عليه طوال رحلتها السردية، وقدمت في عدة فصول مراحل متباينة من الفكر الإنساني، وأظهرت كيفية تعاطي الإنسان مع سياسات القمع المكرسة ضده من الإنسان الآخر. واعتمدت الكاتبة الفصول الأولى كمساحة  تمهيد للفكرة الأساس التي أرادت طرحها، ألا وهي أن حرية الإنسان، تكون في أنه يفعل ما يراه مناسبًا لوعيه، وبأن الذات الإنسانية لا يمكن لها أن تكون ذات قيمة، طالما أنها لم تتفكر في التجربة، و تبدع أسلوبها الخاص. ولقد تواجدت الترتيلة الحقيقية في الفصلين الأخيرين من الرواية، فيهما كان الخلاص إلى الإنسان ذي المدلول.

التجريد من الإنسانية

وبهذه الملحمة من الخيال الدرامي، تقدم آيان راند سياقًا متنوعًا، وقادرًا على إحداث الأثر، من خلال مزجها بين فلسفتها الخاصة، وبين الحقائق التي بنيت عليها القيم الإنسانية، فكرة التاريخ للقيمة، وكيف مرت بالتحول، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم. فلطالما كان الإنسان عينة في مختبر التجارب الحياتية، مستخدمًا من إنسان أكثر سطوة عليه. ومن جانب آخر يكون ذلك الإنسان الذي سلب شخص آخر حريته، في نفس درجة ذلك القيد! يقول عن ذلك نيلسون مانديلا:“أنا لست حرًّا حقًّا إذا أخذت حرية شخص آخر. المظلوم و الظالم على حد سواء، قد جردو من إنسانيتهم“.

موهبة الميموني

تقدم الكاتبة الروسية الرواية بلغة تتمتع بالكثافة، فكانت الجملة لديها قصيرة، وعالية المدلول والعمق، في كل مرة. لغة تميل إلى الشعر، كانت هذه الشاعرية في مقدمة الكتاب، وآخره، ظاهرة بشكل واضح. ما جعل بعض الفقرات بحاجة إلى إعادة القراءة مرة أخرى. وهنا تبرز موهبة المترجم السعودي نوف الميموني الشاعرية. فقد تمكن الميموني من نقل صيغة المحتوى من خلال لغة كثيفة، تنم عن أساس حسي لديه، ومقدرة ليست بالعادية، في تنسيق المعاني الراسخة، الملقاة داخل النص.

رسوم حية

راند تقول عن روايتها:“ كنت أود أن أرى الرواية مرسومة برسومات حية، لا ممثلين وممثلات“. وإنْ كان لهذه الرسومات الحركة، فإنها ستقدم عجلة الإنسانية إلى مكان آخر، في الفكر والقيم الاجتماعية.

وترصد راند الكيفية التي آل إليها الفكر الاجتماعي في لحظة ما، فكتبت:“تخبرنا القوانين أنه لا يجوز للإنسان أن يعتزل البشر، في أي حين، ولأي سبب. لأن هذه هي أعظم معصية للمجتمع، وأصل كل شر“. هو التابو، القيد غير المبرر، إلا أنه خدمة لفئة ما، تحفر هذه الهالة من الثلج، حول جماعة، فيها من اللا إنسانية الكثير.

مسطرة

وتعكس راند في روايتها أهمية السؤال الإنساني، بأنْ تتجلى قدرة الإنسان على العيش، بواسطة اختلاف الخيارات حوله، بلا مسطرية الاتجاه، أو الإقحام في حائط صلب. فقيمة الفرد تتعزز حين يكتشف الإجابة بنفسه، وبالتالي حاجته للمساحة الخاصة به للبحث.

فرن القناعات

وتبرز الكاتبة الروسية،  أن تأصل الخوف في الذات الإنسانية في مرحلة ما، هو ما سبب أن يعتبر الإنسان عجينة سهلة التشكيل، والتمرير إلى النار. فرن القناعات المتشابهة، بل الموحدة، العامل المشترك الأبرز بينها هو الخوف. فتقول راند:“ الخوف يطوقنا في قاعات النوم، ويندس في جنبات الشوارع، الخوف يمشي في المدينة، خوف  بلا اسم، بلا شكل ، كل البشر يحسونه، ولا يجرؤون على الكلام عنه“.

الذات

وتبين الكاتبة أن طريق الإنسان لنيل حريته، في دوام المحاولة. والبحث عن السر الكامن في الذات الإنسانية، ومن ثم ملاحقة إجابة السؤال، هي بمثابة الحلم، ونور كثيف يبزغ حينما يولد الحلم. وإنْ هرب الإنسان الحالم من رتابة الحياة العادية، إلى حياته التي يريد، فإنما بذلك يكون بلغ قيمة وجوده، جبله الذي من الممكن ملامسة ما هو أجمل من الحرية. وقد ختمت راند كتابها بما سردته:“  البشرية قصة طويلة مبعثها حرية روح الإنسان، فما الحرية؟ ولا تؤخذ حرية الإنسان منه إلا بيد إنسان آخر! …. الكلمة التي لا يمكن أن تفنى من هذه الأرض، لأنها محورها، وأساسها، وسر عظمتها، الكلمة المقدسة، هي الذات“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com