مونودراما ”سيلفي“ من المحلية إلى العالمية: الانتصار للمهمَّشين والفقراء

مونودراما ”سيلفي“ من المحلية إلى العالمية: الانتصار للمهمَّشين والفقراء

المصدر: تحسين يقين-إرم نيوز

تُعيد مونودراما ”سيلفي“ الاعتبار للإنسان العادي والمهمَّش، من خلال التأكيد على أمرين، هما: الانتماء للوطن، والوعي السياسي. وهما، للأسف، أمران مشكوك بهما من قِبل نظم الحكم والنُّخب. أما الشك بالانتماء فسببه تعميم نظرة الارتباط بين الفقراء والتطرّف والإرهاب، في حين تدعي النُّخب أن الوعي مقصور عليها، وأن الوعي الفكري يعدّ ترفًا للفئات المهمشة الباحثة عن الخبز.

من هنا، نزعم أن ”سيلفي“ المونودراما القادمة من الشارع التونسي، قد هزّت النُّخب ونُظم الحكم، لدرجة السخرية، بل إنها قدمت عامل النظافة كمهمّش وفقير، عاشقًا لتونس، وواعيًا بأدق التفاصيل، وإن زهد في التعبير عن مشاعره وأفكاره.

ولأجل ذلك، استطاعت مونودراما ”سيلفي“ مواصلة النجاح وهي مؤهلة كي تستمر بعروضها سنوات قادمة، وسيطول ذكرها في سجل الروائع المسرحية الخالدة، ولربما يعود نجاحها عربيًا وعالميًا أيضًا كونها مستغرقة بالهم المحليّ، والذي عادة ما يكون شرط العالمية. وهذا ما يفسّر حصول المسرحية المستمر على جوائز عالمية من المهرجانات المسرحية، آخرها جائزة أفضل عمل في المهرجان الدولي لمسرح المونودراما بآيت ملول في المغرب.

والمونودراما من نص أحمد عامر، واقتباس وإخراج طاهر عيسى بالعربي، في حين قام بالتمثيل الفنان المبدع إكرام عزوز.

وموضوع المسرحية، وشكلها، قائمان على رحلة عامل النظافة في الشارع، حيث نجده يعاني من التلوث والنفايات، والتي يُلقيها بها أفراد المجتمع، حيث تصبح لديه القدرة على تحليل الشخصيات، وتصبح لديه رؤية نقدية، وإن كانت في سياق كوميدي محبب.

وفي لحظة مفاجئة، يتم العثور على قنبلة موقوتة تحت عربته، وهنا، يظهر لنا كيف أن التهمة تصبح جاهزة له، كونه فقيرًا ومهمشًا.

وتظهر مفارقة موضوعية، حين يتم الزج به في مسألة بعيدة عن اهتماماته، حيث يتم اتهامه بالمس بأمن البلاد، مما يضطره للجلوس للتحقيق. لكنه يستطيع إثبات تواجده بعيدًا عمَّا نُسب إليه، من خلال ما يستعيده من يومياته التي سجلها من خلال هاتفه النقال، الذي كان أنيسه في وحدته كعامل نظافة، والذي يُظهر أيضًا حسّ العامل بالنظافة واحترام البيئة، من خلال تصوير انتهاكات المواطنين لبيئتهم، وتساعده تلك اليوميات على إثبات براءته، ومن خلال الحوار من جهة، والمونولوج الداخلي له، يظهر حبه للوطن الذي لا يمكن بيعه.

وقد مثّل مشهد التحقيق من خلال الشاشة المصاحبة للعرض، سخرية عميقة من المحقق، أمام الحاسوب، حيث لا يظهر اغتراب العامل-المواطن فقط، بل تظهر سخريته التي تتحول إلى احتجاج أيضًا.

وتمضي أحداث المسرحية، من خلال شكل جذاب يجمع بانسجام دقيق بين الممثل على خشبة المسرح، وبين الشخوص من الشاشة الكبيرة التي ملأت عمق المسرح، سواء أكان ذلك بالحلم، أم بالحوار مع الشخصيات المختلفة من محقق، وأم، وأصدقاء، أو من خلال جعل مشاهد الشاشة بما فيها من ممثلين، دراما أخرى بصرية تعمق المونودراما على الخشبة نفسها. كما ساهمت الرقصات المصاحبة التي تمت من خلال عدة أشكال راقصة من باليه وغيره، ورقص الديسكو، بإضفاء الحيوية على المونودراما، وكذلك ساهمت بتعميق الفكرة، وخلق سيناريو حركي معبّر عنها.

وثمة علاقة ما بين موضوع المونودراما وفكر الفنان إكرام عزوز، خاصة فيما له علاقة باستقلالية الثقافة، بل إنه قام قبل عامين بتأسيس مهرجان قرطاج للمونودراما الدولي، ولعلّ اختيار شكل المونودراما، له علاقة بالمنحى النقدي والانتصار لقضايا المهمشين والفقراء وإعادة الاعتبار الثقافي، والوطني، والإنساني لهم.

ويعدّ الفنان إكرام عزوز أحد نجوم المسرح والميلودراما التونسية، ومن أعماله المعروفة:“عم فرج، والسانية“ و“كنا نصنع ربيعنا بأيدينا“. وهو نجم تلفزيوني أيضًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com