كتاب “الطب والجراحة في مصر”.. مرويات أدبية عن مهنة جافة

كتاب “الطب والجراحة في مصر”.. مرويات أدبية عن مهنة جافة
يمارس الدكتور أحمد جميل الشرقاوي مهنة الطب صباحًا وفي المساء حينما يصبح وحيدًا يمسك الورقة والقلم ويبدأ في الكتابة -بقلب عاشق- عن مهنته.

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

يثير هجر بعض الأطباء لمهنتهم طواعية وبلهفة وتوجههم نحو عوالم الأدب والفكر الكثير من التساؤلات حول مدى الشغف الذي يتملك بعض الأطباء في مصر نحو الأدب والكتابة الفكرية.

ويمثل الدكتور أحمد جميل الشرقاوي، أستاذ الجراحة بكلية الطب جامعة القاهرة، استثناءً في تلك الظاهرة الطبية الأدبية، فهو يمارس مهنة الطب على أكمل وجه ولكن في المساء حينما يصبح وحيدًا يمسك الورقة والقلم ويبدأ في الكتابة بقلب عاشق عن مهنته.

وصدر له مؤخرًا عن دار الكتب والوثائق القومية كتابًا بعنوان “الطب والجراحة في مصر من زمن الحملة الفرنسية وحتى العصر الحديث” ليسجل بشغف، تطور الطب الحديث في مصر، فيبدأ بوصف الأحوال الطبية في آخر العصر العثماني مع مجيء الحملة الفرنسية وأول حكم محمد علي قبل إنشاء مدرسة الطب بأبي زعبل.

كما يرصد حال المصريين قبله فيقول: “في كتاب وصف مصر نجد فصلاً عن الأمراض الرئيسة في مصر مثل تفشي وباء الطاعون خلال فترات متقاربة وهو ما أثبته الجبرتي في تاريخه كما تذكر التقارير انتشار الدوسنتاريا والرمد والجدري وانتشار بعض الأمراض الجراحية مثل: الفتق والدمامل والقرح وأن السكان يهملون علاج أمراضهم ولا يعالجونها في الأغلب إلا بالرقى والأدعيات الدينية”.

ويعدّد الدكتور أحمد جميل الشرقاوي الأسباب التي جعلته يصدر هذا الكتاب عن مهنة الطب وبداياته الأولى في العصر الحديث، قائلًا: “كنت أرغب في إبراز التاريخ الاجتماعي لمهنة الطب، ومدى ارتباط هذه المهنة المقدّسة بالسياسة وقراراتها، فعلى سبيل المثال حرص محمد علي خلال الفترة التي حاول فيها إنشاء إمبراطوريته التوسعية على اتخاذ قرارات ذات طابع سياسي تتعلق بضرورة إنشاء مؤسسات على قدر كبير من الأهمية لخدمة أغراضه التوسُّعية والتي كان على قمتها إنشاء مدرسة للطب لتخريج أطباء يعتنون بأحوال الصحة لجنود جيشه”.

وأضاف: “عندما جاء محمد علي باشا إلى سُدة الحكم في مصر لم يكن في مصر مدارس للصغار أو الكبار وكان مظهر التعليم الوحيد هو الكتاتيب حيث يتعلم الأطفال القرآن، ولم تكن هناك كليات أو جامعات لدراسة العلوم المختلفة إلا جامعة الأزهر للتعليم الديني”.

وتابع: “ولكن عهدًا جديدًا من الحداثة بدأ مع بداية حكم محمد علي، فقد أُنشئت أول مدرسة (كلية) للطب الحديث في مصر عندما عرض أحد العلماء الفرنسيين الذين كانوا يخدمون الحكومة المصرية و اسمه (كلوت بك) على محمد علي فكرة مشروع إقامة مدرسة (كلية) للطب يدرس فيها المصريون الطب الحديث، وكتب في ذلك لمحمد علي يقول له: يجب أن يكون بمصر مدرسة للطب يكون تلاميذها من المصريين المخلصين الذين يغارون على بلادهم ويحبون تقدم وطنهم”.

ويقول في كتابه: “تاريخ الطب والجراحة في مصر من زمن الحملة الفرنسية وحتى العصر الحديث”: “في العام 1828 وصل فلورين تورينو وهو تاجر إلى مارسيليا مبعوثًا من والي مصر محمد علي للتفاوض والتعاقد مع رئيس للخدمة الطبية وآخر للخدمة الجراحية، ولكي يُتم المهمة استعان تورينو بصديقه الدكتور كوفيير وهو من الأطباء المشهورين في مارسيليا وبعد بضعة أيام كان هناك حوالي 60 طبيبًا يصلحون لهذه المهمة، ولكن وجد أن اختيار اثنين من الرؤساء سيؤدي إلى عديد من الصعوبات حيث إن الحصول على طبيبين مؤهلين يرغبون في عبور البحر للعمل بمصر تحت إمرة أمير عنيد كثير المطالب دون حصول خلافات بينهم أمر صعب، وبعد فترة من التفكير قرر كوفيير استدعاء تلميذه دكتور كلوت بك للقيام بهذه الوظيفة”.

ويروي الشرقاوي بأسلوب سردي شيق يخفف من جفاف المعلومات الطبية المكثفة التي يوردها في ثنايا الكتاب فيحكي عن قصة إنشاء مدرسة الطب التي تكاد أن تكون ملحمة حسبما يقول: “تضافرت فيها الإرادة السياسية ومهارة كلوت بك لتخطي العقبات الدينية والاجتماعية حتى تأسست مدرسة الطب في أبي زعبل العام 1827 تولى إدارتها، وكانت أول مدرسة طبية حديثة في الدول العربية وضمت 720 سريرًا والتي نقلت بعد ذلك إلى قصر العيني، وغلب على اسمها فأصبحت تعرف بالقصر العيني وأُلحقت بها مدرسة للصيدلة ثم أخرى لتخريج القابلات”.

واختتم:”عندما قامت ثورة 1919 انضم طلبة مدرسة الطب على الفور إلى تلك التظاهرات وحاول ناظر المدرسة دكتور كيتنج منع طلبة الكلية من التظاهر فحدثت مشادة بينهم وبينه انتهت بأن دفعه الطلبة حتى طرحوه أرضًا وفقد دكتور كيتنج العتيد الذي كان ناظرًا لمدة 19 سنة هيبته في هذا اليوم وقدّم استقالته”.

محتوى مدفوع