مهنة تصنيع المنابر في مصر.. عندما يتحدث آخر صنّاعها الصامدين (صور)

مهنة تصنيع المنابر في مصر.. عندما يتحدث آخر صنّاعها الصامدين (صور)

المصدر: هدي منصور- إرم نيوز

لا تزال الأزقة تبوح بأسرارها للمارة الجدد، وللأجيال التي لا تعلم تاريخها في مصر القديمة، ومعالم تلك الأسرار تقطن بجوار باب زويلة، حيث توجد أقدم ورشة في مصر لتصنيع المنابر الإسلامية القديمة، لأسرة ”أبو زيد“ التي  احتكرت مهنة التصنيع والإبداع بسمعتها الطيبة، ومهارتها وخبراتها، منذ ما يقرب من 210 أعوام، حيث توارثت المهنة في العائلة 7 أجيال دون انقطاع.

”إرم نيوز“ زارت ورشة ”أبو زيد“ لرصد معالم خروج أشهر المنابر لمساجد تاريخية في مصر والعالم العربي، صنعت في ذلك المكان، وكان اللقاء مع آخر أبنائها وهو الحاج حسني أبو زيد الرجل الستيني، الذي يحرص على العمل بيده، وسط العمّال حتى الآن، منذ أن تولى العمل في الورشة بعد وفاة والده وكان عمره وقتها 15 عامًا.

unnamed-2

ورشة المنابر.. مدرسة للتراث

لدى دخول الورشة، يتجول الحاج حسني الرجل البشوش وسط  3 عمال، ويشرح لهم التفاصيل التي لابد أن يقوموا بها في تطعيم العمل بالخبرة؛ فالأمر ليس مجرد صناعة أو عمل، بل هو تاريخ يخرج من مصر عبر حدودها، يعبر عن أن صنّاعها المهرة، لازالوا يصنعون في أصعب الظروف الاقتصادية، وكانت تلك الحالة التي شاهدناها تؤكد أن الحاج حسني أبوزيد يحاول إنقاذ ما تبقي من آثار المهنة في أجيال قادمة حتى لا تنقرض.

حديثه يشبه تلقين الأستاذ للتلميذ داخل مدرسته الخاصة، التي لا يوجد بها التعليم على الورق والقلم، ولكن تلك المرة على الأخشاب، يصمم أشكالاً وتفاصيل دقيقة، يخرج منها أروع ما يسعى إلى زيارته المسلمون في العالم ويستمعون إلى من يجلس عليه، وهو ”المنبر“ في المسجد.

أعيش في جلباب جدي

الحاج حسني قال في حديث لـ“إرم نيوز“: ”مهنتنا نطلق عليها مهنة الأبطال، لأننا كأسرة منذ أكثر من 200 عام نتسلم من بعضنا البعض جيلا خلف جيل مهنة تصنيع المنابر الإسلامية القديمة، والأمر بدأ من رجل حضر إلى منطقة باب زويلة من محافظة سوهاج، ومعه زوجته فقط، وكان لديه موهبة الحفر على الخشب، وذلك الرجل كان جدي الأكبر، أبوزيد، وتطورت مهنة الحفر معه، ليتخصص فقط في تحويل الحفر إلى قطع فنية على الخشب، من خلال المنابر“.

%d9%85%d9%86%d9%86%d8%a7%d8%a8%d8%b1-3

وتابع الحاج حسني: ”جدي اختاره محمد علي باشا، حاكم مصر، أن يكون من العمّال المهرة الذين سوف يسافرون إلى ”الأستانة“ لتدريس فن الحفر والأرابيسك،  وكان جدّي غاضبًا بشدة من الأمر، لأنه سوف يسافر بدون زوجته، ولا يحتاج إلى ذلك، فمصر بها كل أحلامه، إلا أن أوامر محمد علي كانت صارمة، وسافر جدي، ولم يستغرق كثيرًا في التفكير، في الهروب والعودة السرّية إلى مصر في الخفاء، وعاد إلى أحضان القاهرة، ليبدع مئات المنابر، وكأن اللحظة الحاسمة في حياته، بدأت، ليترك خلفه بصمة تاريخية يتداولها الأجيال من أحفاده، وصنع مئات المنابر الإسلامية القديمة“.

مشارك في التاريخ

وأشار الحاج حسني، وهو يمسك في يده  قطع الخشب وبعض الصور التي تشهد على تاريخ العائلة بها منابر شهيرة، قاموا بتصنيعها، إلى البداية التي كانت من المشاركة في تصنيع سقف مسجد الرفاعي، ومسجد ”الحسين“، ومسجد ”قنطرة الدقة“ وعمل تفاصيل الأخشاب في معهد الموسيقى العربية ومسجد الحصري بمدينة 6 أكتوبر، ومسجد السارية ومسجد قلعة صلاح الدين، ومسجد المرسى أبو العباس في الإسكندرية، وخارج مصر كان مسجد ”العتيق“ بالسودان، ومساجد أخرى في العراق وفي معظم الدول العربية الشهيرة، فقد شارك أبناء الأسرة على الأقل بتصنيع منبر لمسجد أو مسجدين بها.

المنابر في دول أوروبا

أوضح الحفيد وآخر أبناء العائلة في المهنة الحاج حسني، أن دول أوروبا كان لها نصيب في التصنيع فقد كان يحضر إلى الورشة أجانب مسلمون، يحرصون على نشر بناء المساجد بالجهود الذاتية في بعض البلاد، التي انتشر فيها الإسلام في أوروبا، ومن أشهر تلك المنابر، التي قامت أسرته بتصنيعها منبر ”المركز الإسلامي“ في لندن، قائلا: ”نحن كأسرة كنا فخورين بأن نشارك بتلك المنابر للمسلمين في تلك الدول وكانت تنشب صداقات بيننا وبين الزوار وفي بعض الأحيان كان يسافر والدي أو عمي لتركيب المنبر بعد تصنيعه بيده“.

وأشار الحاج حسني، إلى أن ”مدة تصنيع المنبر الواحد 30 يومًا، لأن المنبر يحتاج إلى التطعيم الدقيق بفن الأرابيسك وهو فن ارتبط بالعمارة الإسلامية وظهر في العصر العباسي، وعلّمه جدي لأبناء الأسرة لأنه عمل مدرسًا في بعض الأحيان للعمال المهرة لتعليمهم تفاصيل الحفر وفن الأرابيسك على المنابر“.

unnamed-1-copy

مراحل التصنيع

وعن مراحل التصنيع، أوضح أبوزيد الصغير: ”تبدأ بالرسم الهندسي على الورق أولاً لشكل المنبر قبل تصنيعه ثم مرحلة تقطيع الأخشاب بدقة شديدة كما هو مطلوب، ثم مرحلة تطعيم الأرابيسك في المنبر، ومرحلة دهن الخشب بمادة تحافظ عليه من عوامل الجو ثم تركيبه، ثم دهنه مرة أخرى باللون الرئيسي لشكل المنبر، وهو البني في العادة، أو الأبيض“.

وفي نهاية حديث الحاج حسني، قال: ”كنت أحلم بأن تتحول الورشة إلى متحف لتاريخها القديم، فيحضر السياح حاليًا لالتقاط الصور مع القطع الفنية والمنابر الموجودة تحت التصنيع، لأننا حاليًا ننتج منبرًا واحدًا في الشهر، نظرًا لسوء الحالة الاقتصادية في مصر، كما أنني كنت أحلم بأن تكون هناك مدرسة خلفًا لجدي، ولكني حاليا أفتخر بأنني آخر أبناء العائلة في المهنة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com