“سيد حجاب”.. 50 عامًا على أول قصيدة لشاعر الوجع الإنساني

“سيد حجاب”.. 50 عامًا على أول قصيدة لشاعر الوجع الإنساني

في مساءات قرية صغيرة، بدلتا مصر، تقبع وادعة على شاطئ بحيرة المنزلة تدعى “المطرية”، يتحلق الصيادون حول الموقد في ليالي الشتاء الباردة، يتسامرون ويلقون شعرا شجيا، يعبّر عن كفاحهم وعودتهم اليومية مع تباشير الفجر، بما رزقهم الله من خيرات البحيرة، في مباراة أشبه بالتحطيب الصعيدي، ويجلس في ذيل السامر، طفل صغير مشدود إلى ما يسمعه، من أبيات شعر، تمسّ أوتار قلبه، فيبدأ في تدوين ما يلقيه الصيادون، وشجعه والده على المضي قدمًا في هذا الاتجاه، فيستمد من أحلام الصيادين البسيطة ورضاهم بالمقسوم، وهج إبداعه الشعري ليصبح فيما بعد، شاعر العامية الكبير “سيد حجاب” صوت البسطاء الشعري ومؤرخ أفراحهم القليلة.

تحتفي الأوساط الثقافية المصرية، هذه الأيام، بمرور 50 عاماً على تلك القصيدة الأولى التي كتبها في شهيد بورسعيد، ممثلة بلجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، والتي اقامت يوم الأربعاء 16 نوفمبر ندوة بعنوان: “سيد حجاب.. نصف قرن من الإبداع”، بمشاركة عدد من الشعراء، وهم: شعبان يوسف، محمد فريد أبو سعده، محمد كشيك، محمود الحلواني، رجب الصاوي، ويدير الأمسية الشاعر أحمد سويلم.

وبين رفوف مكتبة والده، الأزهري، العامرة بأمهات الكتب، مثل خزانة الكتب للبغدادي، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والأغاني للأصفهاني، ودواوين، الحماسه للبحتري، وديوان المتنبي، كانت بدايات التكوين المعرفي للشاعر الكبير سيد حجاب، وبعد دخوله المدرسة صادق معلمه الثاني “شحاتة سليم نصر”، مدرس الرّسم، والمشرف على النشاط الرياضي، والذي علمه كيف يكتب عن مشاعر الناس في قريته.

يمثل شاعر العامية المبدع “صلاح جاهين”، المعلم الثالث للشاعر الكبير “سيد حجاب”، فله يرجع السبب  بهجر “حجاب” للشعر العمودي، تاركاً موهبته الاستثنائية، تقوده إلى عوالم الفقراء، وحكاياتهم، فكان أول لقاء بينهما حينما سمع “جاهين” قصيدة لحجاب، فانتفض واقفًا يحضنه ويلف به حجرة الملحن “سليمان جميل”/ مردداً للشاعر الكبير “فؤاد قاعود”: إحنا بقينا كتير يا فؤاد، وتنبأ له بأنه سيكون صوتًا مؤثرًا في الحركة الشعرية، لتتحقق نبوءة جاهين”.

ويستقبل المثقفون بحفاوة  لافتة، في منتصف الستينيات من القرن الماضي، أول ديوان له/ وكان بعنوان “صياد وجنية”، تحمل قصائده هواء مياه بحيرة المنزلة، ويوميات الصيادين بها.

ويقول الشاعر الكبير، سيد حجاب، في أحد حواراته: “عم صلاح جاهين، الذي قدمني للعالم كله، في مجلة (صباح الخير)، في باب كان يقدمه، اسمه شاعر جديد، وأول قصيدة لي بالعامية، نشرت، كان اسمها (ابن بحر) في يوم 27 يوليو 1961.

بعدها انتقل إلى الناس عبر الأثير، من خلال مجموعة البرامج الإذاعية الشعرية “بعد التحية والسلام” و”عمار يا مصر” و”أوركسترا” .

تتوالى قصائد الشاعر الكبير، سيد حجاب، فياضة وكاشفة لصنوف البشر، وتأرجحهم بين الخير والشر داخل نفوسهم، فيدخل كل بيت مصري من خلال تلك الأشعار الفريدة، في مفرداتها وفضاءاتها اللغوية، في أغلب وأهم تترات الأعمال الدرامية، والتي أصبحت تاريخًا فنيًا مهما، يعادل قوة العمل الدرامي عند مشاهدته، حيث شكل مع الموسيقار العبقري الراحل “عمار الشريعي”، والمطرب “علي الحجار” ثالوثًا إبدايسًا استثنائيًا.

فلا ينسى جيل الثمانينيات، الذي كان يشاهد المسلسل التلفزيوني الشهير “ليالي الحلمية”، مقدمته الغنائية البديعة، وبدايتها الفلسفية: “منين بيجي الشجن، من اختلاف الزمن.. ومنين بيجي الهوى، من ائتلاف الهوى.. ومنين بيجي السواد، من الطمع والعناد.. ومنين بيجي الرضا، من الإيمان بالقضا”.. “ولفين ياخدنا الأنين، لليالي ما الهاش عينين.. ولفين ياخدنا الحنين، لواحة الحيرانين.. ما تسرسبيش يا سنيننا من بين إيدينا.. ولا تنتهيش، ده إحنا يا دوب ابتدينا.. واللي له أول، بكرة حيبان له آخر.. وبكرة تفرج، مهما ضاقت علينا”.. كلمات تجعلك تفكر في تصاريف الزمن، وتقلباته، وخوفك من سرقته لأيامك ولياليك، قبل ان تحقق ما تتمناه وترجوه.

ولا تزال كلمات مسلسل “المال والبنون”، للشاعر الكبير “سيد حجاب”، عالقة بالذاكرة مع صوت علي الحجار، الذي أبدع في التعبير عن صراع الخير والشر: ” قالوا زمان دنيا غنية وغرورة، قلنا واللي تغره يخسر مصيره.. قالوا الشيطان قادر وليه ألف صورة، قلنا ما يقدر على اللي خيره لغيره “.

يذكر أن الشاعر الكبير، سيد حجاب، قد تم الاحتفاء به العام 1986، حينما أصدرت دار الفكر العربي الأعمال الشعرية الكاملة، والتي صدرت فيما بعد في طبعة مكتبة الأسرة العام 2005.