”صك الغفران“.. حكايات الجنوب المصري عن الفتنة والحب وأشياء أخرى

”صك الغفران“.. حكايات الجنوب المصري عن الفتنة والحب وأشياء أخرى

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

يعتبر الصعيد ومحافظات الجنوب المصري، أرض السحر والغموض والكنز الذي لا ينضب من الحكايات والأساطير، فهو مجتمع مشحون بالتعقيد الطبقي والقبلي والديني والثقافي .

وصعيد مصر، ”يملك مادة خصبة ودسمة للحكايات“ بحسب الروائي إيهاب مصطفى الذي قال لـ“إرم نيوز“  إن ”الجدات يملكن مخزونًا هائلًا ومتجددًا من الأساطير وحكايات النجع، مثلا الجبل له أسطورة، والبحر له أسطورة السلعوة والغول والصل والكثير من الحكايات التي لا تعد ولا تحصى“.

ويضيف صاحب رواية صك الغفران، وهو يتحدث عن بدايات النشأة والتكوين وطبيعة الجنوب المصري الساحر: ”نحن الجنوبيين ننشأ أولًا في الكُتَّاب لحفظ القرآن، والشيوخ لا يكتفون بمجرد الحفظ بل بأسباب النزول والتدبر في معاني القرآن نفسها، ولماذا جاءت هذه المفردة ولم تأت تلك، وكنا فيما بيننا نختلق الأسئلة التي من شأنها أن تجعل العقل يعمل بكافة قوته، ثم اكتشفنا أن لغة الجنوب نفسها هي الأقرب للفصحى والقرآن“.

ويتابع، وهو المولود في جوف الصعيد:“نحن نستخدم مفردة مثل ”اكترى“، أي قام باستئجار شيء ما، ولكن لكثرة الاستخدام صارت ”اكترى“ مثلًا والكثير من المفردات التي كونت نشأتنا وجعلتنا نبقي على هذا التساؤل أي مفردة تبدو مناسبة لتلك الجملة؟“.

ويقول: ”أما عن الجنوب نفسه، فالطبيعة وحدها قادرة على صنع مبدع، لن تصدقيني حين أقول إن هناك شعراء من وحي الطبيعة والثقافة الشعبية العادية، هناك القوال شاعر الواو وهناك الحكَّاء شاعر الربابة، والكثير من الأمور التي لها طابع الحكي الشفاهي والتي تعودنا عليها وألفناها السِيَر التي كنا نعيش بينها مثل: أبوزيد الهلالي وعنترة وغيرهما الكثير“.

ويستطرد قائلا: ”أعرف أناسًا يحفظون هذه السير عن ظهر قلب بل إن الأمر امتد للتأليف على غرار تلك السير وكل هذا كان يكون المبدع في دواخلنا دون قصد، ثم إن نشأتي في بيت قارئ لها الكثير وخرجت إلى هذا العالم لأجد أخي شاعرًا وهو السيد العديسي وهو من نصحني بالكتابة منذ ما يقرب من 20 عامًا، الأمر الثاني هو نادي أدب أسوان، وأحب أن أذكر فضل الكثير مثل: أحمد أبو خنيجر وعصام راسم فهمي وجمال عدوي وهيام عبدالهادي صالح، وأُدين لهم بالفضل في تكوين رؤيتي عن الإبداع“.

الفتنة الطائفية

ويعتقد الروائي إيهاب مصطفى أن ملف الفتنة الطائفية الكثير من الروايات تناولته، وربما آخرها رواية وليد علاء الدين ”ابن القبطية“ والتي تزامن صدورها مع صدور روايته ”صك الغفران“، مضيفًا: ”لكنني تناولت الفتنة الطائفية من منظور مغاير تمامًا لذلك النسق الذي تناولته الروايات للفتنة الطائفية، لقد كنت أمام قضية كبرى وهي تأثير التكنولوجيا على العقول، وما الذي حدث وجعلنا ننصب العداء لبعضنا البعض مسيحيين ومسلمين، ولمَ كل هذا العداء من الأساس؟ وأعتقد أنني أبرزت كيف كانت الحياة قبل التلفزيون والراديو والمحمول، وما بعد تلك الأشياء التي كانت ترسخ -بصورة أو بأخرى- في وعي الفرد والوعي الجمعي كل هذه الترسبات، لقد كنت مشغولاً بقضية أكبر وهي الإنسانية“.

ويفسر الروائي أسباب خروج عدد كبير من كتّاب الجنوب عن طوق الصعيد وكتاباتهم عن حيوات مختلفة عن الجبل والجنوب قائلًا: الإبداع قماشة كبيرة جدًا تحتمل آلاف المبدعين حيث يموت المبدعون ولا يموت الإبداع نفسه، إذا لم يكتب الجنوبي عن غير الجنوب فأعتقد أن كلًا منا لديه مشروع إبداعي حقيقي يتماشى مع رؤيته“.

ويضيف:“أدهم العبودي يكتب بأسلوب فلسفي عن الله والإنسان والقضايا في الصعيد بصورة جيدة، وهذه الرؤية تكفل له الطيران إلى آفاق أرحب وأوسع في أرض الإبداع، وهدرا جرجس يكتب بأسلوب رائق عن قضايا حياتية تسمح له بالسفر، وأحمد أبو خنيجر يكتب عن الأسطورة في الصعيد، لذلك هو محكوم بالصعيد وصنع عالمًا محبوكًا وجميلًا، وعصام راسم يكتب عن الهم الحياتي ممزوجًا بالهم العام وتأثير الأديان والذات في الجنوب، والخمايسي يكتب عن الخلود، ويوسف فاخوري يكتب عن الأساطير في القصة القصيرة والذي أعلم أنه من أفضل من أنجبت مصر في القصة، وهذه نماذج فقط لأن الجنوب مليء بالمبدعين الحقيقيين، وكل منا يملك مشروعًا ورؤية، فنحن لا نتنقل في خامة الإبداع بل نمسك بجزء منها نراه من كل الجوانب“.

ويوضح قائلاً: ”أنا مثلًا لن أخرج من النجع، سأظل أكتب عن همّ الفرد وتغيّره ممزوجًا بالواقعية السحرية، وأن كلًا من هؤلاء المبدعين وجد نفسه مهتمًا بمشروع، فالمشروع الروائي هو من يحدد تلك الأرضية التي تسمح للمبدع السير فيها، فهناك أرضية متسعة تقبل سيره في كافة الطرق، وهناك أرضية محدودة كل بحسب رؤيته ومشروعه“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com