”سلالة وجذور وساق البامبو“.. روايات الهوية والزمن الضائع – إرم نيوز‬‎

”سلالة وجذور وساق البامبو“.. روايات الهوية والزمن الضائع

”سلالة وجذور وساق البامبو“.. روايات الهوية والزمن الضائع

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

الاختفاء وراء شخصيات متخيلة وافتراضية، مشكلات الهوية والبحث اللاهث طوال سنوات العمر عن بقايا ذاكرة، تحاول الاحتفاظ بالمتبقي والطافي على سطح المشاعر والأحاسيس، العودة إلى الماضي المليء بالألغاز، لفك رموز الملتبس والمبهم أيام الطفولة الحزينة، تلك هي الخلطة السردية الأكثر غموضًا في العمل الروائي والمعروفة بروايات السيرة الذاتية.

من أهم الروايات التي تمت ترجمتها إلى العربية باقتدار، وتتناول الجانب الخفي والمربك في حياة الكاتب الشخصية، رواية ”سلالة“ للفرنسي الخامس عشر الذي يفوز بجائزة نوبل للآداب، منذ تأسيسها ”باتريك موديانو“، والتي حصل عليها عام 2014.

وعلى الرغم من غرابة عنوان الرواية ”سلالة“، قال عنه ”موديانو“ نفسه في أحد تفسيراته الغامضة عن سيرته الذاتية: ”ما عدا السطرين عن أخي، أشعر بأني غريب تقريبًا عن ذاك الذي يروي شبابه، أحسد الكتّاب الذين يتكافلون مع ذواتهم الذين يجدون أنفسهم لطفاء، لست كذلك، للأسف، دون شك لأني أشعر باضطراب بأني غير مسؤول عن حياتي، مثل الكلب غير المسؤول عن سلالته، لقد فرضت عليّ، هذا كل ما في الأمر، إني غريب عنها جزئيًا، من هنا جاءت نبرة الكتاب، لطالما رغبت في أن أروي طفولة سعيدة وعن عائلة متناغمة“.

هكذا يشعر الروائي الفرنسي موديانو، طوال الوقت، حينما يشرع في الكتابة، فهو يكتب رواية لا تمت بصلة إلا إلى نفسه، بمعنى أنه كاتب متفرد، عرف عبر قضايا الذاكرة والهوية، أن يعيد إحياء عوالم متكاملة.

عوالم روائية حقيقية، تستفيد من السيرة الذاتية، لكنها لا تقع أبدًا أسيرة تلك الذكريات الحزينة والتعسة، فضلًا عن وجود راوٍ يبدو غالبًا، يعلم القليل حول القصة التي يتولى تلاوتها، حيث يعود ”موديانو“ إلى سيرة والديه الضائعين في مهبّ سنوات الحرب، لأمّ ممثّلة وأب فرنسيّ من أصل إيطالي، شكل غموض سيرته أحد أهمّ عناصر كتابات ابنه ومصادر إلهامه، إذ إن والديه لم يهتما برعايته ورعاية أخيه، بل تم وضعهما في مدارس داخلية طوال الوقت، للتخلص منهما.

أما فترات الإجازة وأشهر الصيف، فيكون مصيرهما التنقل عند الأقارب والأصدقاء، ما أفقد موديانو الشعور بالحنان والدفء العاطفي والأسري، فيقول بنبرة اللامنتمي لمكان أو أشخاص بعينهم في إحدى أجمل مقاطع تلك السيرة: ”في الشوارع والمحطّات وسائر الأماكن، أناس بلا وزن، مريبون أحيانًا، لن نعرف أبدًا مصائرهم، هذا في حالِ ما إذا كان لديهم مصائر“.

وفي عبارة أساسيّة، تتوسّط العمل كتب موديانو: ”أكتب هذه الصفحات كمن يحرّر محضرًا أو سيرة شخصيّة، بصفة توثيقيّة، ربما للانتهاء من حياة لم تكن تخصني“.

كتاب ”سلالة.. رواية في السيرة الذاتية“، نقلته إلى العربية الشاعرة اللبنانية دانيال صالح، ضمن سلسلة الأدب الفرنسيّ التي يشرف عليها، ويراجع ترجماتها الشاعر والأكاديميّ العراقيّ المقيم بباريس ”كاظم جهاد“.

أيضًا من الروايات العالقة في الذاكرة الجمعية لملايين البشر حول العالم، منذ صدورها عام 1976، نتيجة لترجمتها لأكثر من 37 لغة، وبيع منها أكثر من 50 مليون نسخة، وأصبحت أساسًا لمسلسل تلفزيوني حمل الاسم نفسه، وحقق نجاحًا كبيرًا، هو ”الجذور“ للكاتب آليكس هايلي (مستشار الثائر الأمريكي الأسود مالكولم إكس وكاتب مذكراته)، الذي اختار أن يجسد تجربته الأولى في الكتابة، في رحلة من أصعب الرحلات وأجملها، رحلة البحث عن الجذور ”من هو؟ من أين أتى؟، مالذي يربطه بهذه الأرض؟، من هو الأفريقي؟“.

تبدأ قصة هذا الأميركي الأسود في الأرض الأم، أفريقيا، في قرية صغيرة تدعى جامبيا، حيث تتابع كل خطوة يخطوها جده الأكبر ”كونتا“ (الذي أصبح يلقب فيما بعد بالأفريقي)، منذ ولادته، وكيف وقع في أيدي تجار العبيد، فيخطف من أرضه، وينقل مع عدد كبير من الأفارقة المخطوفين (بينهم نساء وأطفال)، في سفينة تجارية إلى أمريكا، بعد رحلة من أكثر الرحلات عذابًا، وأشدها قسوة على الشخصيات كما القارئ، وسيباعون في مزاد علني، بعد أن يتفحصهم الزبائن، ويساومون على أسعارهم، كأي سلعة أخرى في السوق للعمل بالسخرة في مزارع العبيد، دون أن ينالوا أي حقوق آدمية، لتنتقل عذابات ”كونتا كنتي“ وحنينه إلى وطنه أفريقيا، وتمسكه بكلمات وطقوس أفريقية ينقلها إلى ابنته التي تباع إلى سيد جديد أبيض، فلا يراها ثانية، ولكنها تحتفظ بما علمه لها، وتنقله إلى أبنائها وأحفادها، في سرد مليء بالشجن الإنساني الباحث عن معنى الحرية والعدالة.

أخيرًا، يأتي سؤال الهوية والبحث عن الانتماء لوطن أو عائلة، مِن الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي، في عمله الروائي ”ساق البامبو“، وهو يفعل ذلك من خلال رصد حياة شاب وُلد لأب كويتي، ينتمي لعائلة عريقة، ومن أم فلبينية، فتوزعت الرواية بين هاتين الهويتين في علاقة ملتبسة يغلب فيها الشعور بالانتماء إلى ثقافتين مختلفتين، وعدم القدرة على التماهي مع إحداهما وترك الأخرى، ورغبة بطل الرواية في التصالح مع الذات والهوية الأصلية، للوطن القديم، الكويت، الأرض ”الحلم“ أو ”الجنة“، كما صورتها له والدته منذ طفولته.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com