”السيد خواروز“ للبرتغالي تافاريس.. ساكن جديد في حي المشاهير – إرم نيوز‬‎

”السيد خواروز“ للبرتغالي تافاريس.. ساكن جديد في حي المشاهير

”السيد خواروز“ للبرتغالي تافاريس.. ساكن جديد في حي المشاهير

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

ضمن سلسلة الحي، يقدم الكاتب في البرتغال جونزالو تافاريس، شخصية جديدة من المشاهير، في روايته ”السيد خواروز“، التي صدرت عن دار الخان للترجمة والنشر 2018. وترجمها مهدي سليمان.

ويضيف تافاريس في هذه النوفيلا ساكنا جديدا للحي الذي أنشأه أدبيا، في السابق، وتناول فيه، بشكل ملفت، حياة العديد من الأدباء المشاهير، مثل إيتالو كالفينو، بول فاليري، وروبرت فالس، وكارل كراوس، وغيرهم. فيقدم في كل رواية بطلا، يجسد من خلاله الصفات، والطباع الشخصية لواحد من هؤلاء المبدعين.

صواب وخطأ

وفي ”السيد خواروز“ يصمم تافاريس نسخة أدبية للشاعر الأرجنتيني روبرتو خواروز. هذه النسخة هي محور الأفكار، بتداخل بسيط الأثر للزوجة، حيث يعمد السيد خواروز إلى صناعة عالمه الخاص، بتأملات بطيئة، لمسار الأحداث من حوله، وبدا كأنه يسجل ملاحظات للصواب والخطأ، اللذين يتناوب عليهما الواقع.

وتحمل لغة الكاتب البرتغالي في هذه النوفيلا المثيرة، لغة بروح فكاهية تارة، وبروح واقعية ساخرة تارة أخرى.

ويمكن أن يشعر القارئ باختلاط متعمد بين إسقاطات تافاريس الفكرية، والصفات المؤسسة لشخصية خواروز.

فتلك الفكاهة التي تتناوب على فقرات الرواية تضرب مع العالم ألغازا، بحاجة إلى تأمل دقيق، واستعادة، من بين الجمل. وعلى الرغم من بساطة الأسلوب، إلا أن رقاقات اللغة التي يفردها تافاريس، بحاجة للمس بطيء ومتأن؛ للوصول إلى محطة القطار البعيد، في نفس التوقيت الذي أراد.

تابوت

في هذه النوفيلا، يميل الكاتب البرتغالي إلى إلقاء حماقات الإنسان، وهلوساته، بتلقائية، ودون تكلف أو تنميط. ويبدو موقفه الأخلاقي من العالم، ملتبسا، ما بين الإفراط في الجدية، وتحميل الأشياء معاني أكثر عمقا، وبين سحق الواقع بنظرة المتخلي، ومحاورة الأشياء على قدر قيمتها، بهزلية مفاجئة، حينما يفكر داخل تابوت، ويعطي ذلك قيمة أكبر من الانخراط بالعالم.

ويفكر تافاريس في البعد الوحيد للعالم، بضجر الذي يدفع كل التأويلات عنه، حين يتبنى وجهة تناول الجزء الآخر، من جسد امتلأ بالسموم، فلا يضير لو أكلنا الجزء غير السام.

وتنمو في نص تافاريس حاسة جديدة للإنسان، مع كل فكرة يمارس اللعب معها، كما يفكر طفل، بسذاجة السؤال الصغير، ذي المدلول الكبير. فهو الذي يضع درجا في غرفته، يخزن فيه الفراغ، وفي كل مرة يرجع ليتأكد كم امتلأ هذا الدرج بالفراغ، وكم تبقى منه جاهزا لاستقبال المزيد. هي فكرة عدمية تشير إلى صغر قيمة الوجود في عينه، وتفرز سخرية مقصودة من طريقة الواقع في تجسيم العالم.

المكان والألم

ويسطح تافاريس من المفهوم السائد، بنفس القدر مما يستطيع تعميق الجمال اللغوي في نصه. فيبدو متساهلا مع فكرة السقوط، والنهاية، واحتمالات الفاجعة حينما يكتب“ السقوط تغير في الموقع“. فهنا يحاول أن يحكي عن الإنسان سيرة ألمه التي لا تتوقف، ولن يكون طعم الألم أقل غصة، في حال اختلف مكان الإنسان.

ولا تهدأ في سردية تافاريس الأفكار الغريبة، فأسلوبه في خدش الذهن، يتأتى بلطافة، وتسرب بطيء وهادئ، بحيث يصبح القارئ مساهما بأفكاره أيضا في صناعة النص.

فلدى تافاريس، الإنسان لا يسافر، اذا حمل معه الأشياء التي كانت بحوزته قبل السفر، ولا بد أن يذهب وحده، دون قناعاته القديمة حتى، حتى يعتبر ذلك سفرا. فيكتب: ”لا يستطيع أن يصطحب منزله برمته، كله معه، أثناء سفره؛ لأنه إن فعل ذلك فلن يكون ذاهبا إلى مكان آخر، ولكنه سيكون ذاهبا بدلا من ذلك إلى أشيائه الخاصة، أي أنه سيكون أساسا، متوجها إلى منزله نفسه… لا ينبغي أن يأخذ أي متاع، لا شيء أبدا، فهو ذاهب إلى المجهول“.

ثم يعيد تافاريس استدراكه، بعقلية التعاكس، أو كمن يحمل وسواسا، يلغي باستمرار، الأشياء المؤكدة لديه، حينما يختتم فقرته هذه بالقول: ”ربما يصاب بالبرد أو السغاب، بالإضافة إلى خطر إصابته بالعديد من الأمراض الوجودية، والصحية الأخرى، ولذلك قرر.. البقاء في البيت“.

تناقض

يستعرض تافاريس الانفصام الذي يتكاثر فيه العالم من حوله، ويؤسس لإهمال قيمته، وإلغاء قناعة أهليته للاستمرار، ويرصد بهزلية هذا الجانب، ”العالم يعيش حالة كاملة من فقدان التناغم، فهو تغمره الفيضانات، لكن البشر عطاش“.

وينفي الكاتب البرتغالي عن المقاييس قدرتها على الضبط، وينادي لرمي ذلك كله في نهر بائس، ”إن قياس أبعاد كائن حي يعني أن نتقبل كذبة من الأكاذيب؛ لأن الكائن الحي، بالتعريف، ليس طويلا، إنما كائن يجوع. كيف يمكننا إذن أن نقيس أبعاد شيء متغير، كيف يمكننا أن نقيس التغير؟“وهو ما ينطبق على جميع الأشياء في الكون، في العادة تتغير بشكل مستمر.

في الكتاب رسومات بين الفقرات، تصنع فوارق ذهنية، وتساهم في بناء هيكل للفكرة بشكل أقرب للتصديق في وعي القارئ، وهذه الرسومات للفنانة راتشيل كايانو، زوجة الروائي تافاريس. وتميزت الرسومات أيضا بالبساطة، والمواكبة، أو الإكمال لنسق الفكرة التي يعمل عليها الكاتب. فما تملكه كايانو من أساليب فنية متباينة، جعلها تشكل إضافة للنص وأبعاده.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com