”العالق في يوم أحد“.. مهارة الاختراق عند القاص السعودي عبدالله ناصر – إرم نيوز‬‎

”العالق في يوم أحد“.. مهارة الاختراق عند القاص السعودي عبدالله ناصر

”العالق في يوم أحد“.. مهارة الاختراق عند القاص السعودي عبدالله ناصر

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يعبر القاص السعودي عبدالله ناصر عن شخصية الإنسان الحديث، بانفتاحية على مساحات شاسعة من الأفكار، وقدرة على التجريب في الخيال، في مجموعته القصصية ”العالق في يوم أحد“، الصادرة عن دار التنوير للنشر والتوزيع 2019.

وتتحقق في قصص ناصر خصلة الحكائية، التي تفرد خيوطها كمظلة حول رأس القارئ، وهو ما يفجر دائما فقاعات ممتلئة بالتساؤلات القابلة للمد، والتفكيك، حول النص.

باب خلفي

حيث يمر القاص السعودي بحدث القصة دائما من باب الغرابة، موصفا جملته، وطرحه، بفعل مناقض للمألوف، كمن يأتي للبيت من باب خلفي، فيدخل لعمق المكان دون مقدمات مملة.

طرق وتطويع

ولا يظهر نصه بصورة اعتيادية، بل محملا بدخول مفاجئ لمركز الحدث، ذلك الذي يحقق مطلب القصة القصيرة من إخفاء الأداة التي تسحب الوعي نحو آلة الطرق والتطويع. هكذا يحدث الأثر في العقل، بعملية اختراق لمكان غير متوقع، وبالتالي، إضاءة أماكن معتمة في الذهن. فالمتوقع لا يدهش، ولا يسبب الإثارة. ولا يكون الاختراق في نص ناصر بجمال اللغة وحده، ولا بجمال الأسلوب، ولا تناقض الأفكار مع النمط المعتاد، بل بذلك كله.

تسرب

لناصر طرقه المشاكسة في ابتداع نص جذاب، إذ يعبر لمنطقة اشتباك مع صاحبه القارئ دون ضجيج، وحدها اللغة لديه تتسرب إلى المكان المطلوب، منصة التجريب الجريء للقناعات، هناك تتم عميلة السكب من جديد، سكب لسوائل تتفعل مع التوتر، الذي يجيد ناصر إحداثه، فتحول القناعات إلى ثياب، منها الواسع، ومنها الضيق، ومن يستطيع لبس ثوب ضيق عليه؟ لكن ناصر يجرب أن يقوم بإقناع زبونه القارىء أن يجرب لا أكثر، هذه هي خطة الاختراق.

اشتقاق

فيجلد الكاتب السعودي الحدث النمطي، وإشكالية تكرار الإنسان لصورة حياته، حين يسرق الوعي إلى منطقته الخاصة من الحوار، ذلك الفعل غير المألوف، الصادم، المؤدي إلى اشتقاق جديد، فيكتب في قصة متواليات:“ ربما يعود ذلك الجار بعده بدقائق، ويخلط بين بيته وبيت جاره، سينام كل منهما في بيت الآخر، بجوار زوجة جاره، وعندما يستيقظان، لن تقع كارثة، ولا فضيحة، فلن ينتبه أحد على الأرجح، لا الزوج ولا الزوجة، ولا حتى الأطفال“.

هي تركيبة من الأفكار التي تؤسس لإنسان قادر على تشكيل حياته، دون تقليد، أو اقتداء بحياة آخر، محاولة لعرض الإنسان أمام نفسه مرة أخرى، ليعرف كم هو نسخة أخرى من آخر. تلك الكيفية التي يكون الإلغاء فيها، هو فكرة الحياة، بحيث نصبح صورا متطابقة عن بعضنا.

ساعة في المطار

ويختزل المؤلف السعودي في قصة ”حتى ساعات دالي“ صراع الإنسان مع معادلة الزمن، حيث المراقبة المتبادلة بين الطرفين. فما الذي يجعل الإنسان في حالة ترقب دائمة لساعة اليد، أو الحائط، أو تلك المعلقة في المطارات؟ ماذا يريد الإنسان من الزمن؟ وعلى الطرف الآخر، لا يغفل الزمن في العد، يتنقل الإنسان من مكان لآخر بعيد، أحيانا للهرب، لكنه حين يصل، يجد الزمن لا يخطئ العد له، هذه الحالة من الحصار المستمر، إشكالية فلسفية، يطرحها ناصر، لقطبين كلاهما يراقب الآخر بدهاء. فيكتب في قصته:“ لعلك لاحظت أن بعض الساعات لا تتجاوز مدتها خمس دقائق، بينما هناك ساعات تمتد إلى أكثر من خمس ساعات. لا يطول لمجرد أنك تشعر بالحزن، ما هذا الغرور، لا شأن لكوارثك بثقل الوقت، ولا علاقة بالطبع لأفراحك بجريانه، لست الساعاتي هنا، أنت البطارية وأسلافك الرمل“. وهنا لحظة تلميح لمطحنة يصنعها الوقت، يجرش فيها مادة الإنسان، ويتبقى منه ذكرى لا أكثر، تحمل في أكياس هوائية في الذهن.

إسقاط نجمي

أما قصة ”حياة مستعملة“ فهي تجريب لتصور شخص الإنسان يتسلل خارج جسده، مثل فكرة الإسقاط النجمي، لكنها ذات مدى طويل، فكيف للإنسان أن يترك جسده ليعيش فيه شخص آخر، غيره تماما، إنه الاستعمال الذي يرد الإنسان إلى تأمل داخله، وفرز جسده على شخصيته، ومحاسبة كل كيان على حدة. يكتب ناصر: ”لطالما لازمه منذ الصغر هاجس بأنه يعيش حياة رجل آخر، وبأن هذا الآخر يعيش حياته، فهو يشعر على الدوام بأنه ينتمي إلى زمن آخر، ووطن آخر، وأسرة أخرى، حتى أحلامه كانت تدور في زمن آخر، وكوابيسه أيضا“. هذا شعور الانفصام، وحركة المغادرة للفراغ، هي تناقضية يبذرها ناصر في نصه، تاركا للإنسان عبء الدوار حولها. كما وقدم صراعا داخليا معمقا مع الاكتئاب في قصة ”ثور منزلي“.

فناء وباب

وأثار ، في قصص أخرى مثل“الذي لا يستطيع الدخول“ أفكارا مختزلة، وصادمة، تنحت بهندسة متقنة، أشكالا للقناعات، وتجعلها بأبواب وفناءات، إما أن نقيم في الفناء، أو في الخارج، ويلقي في آخر القصة نرده ليكون باحتمال جديد، هو عدم معرفة الإنسان، لحقيقة تواجده في الداخل أو الخارج!. فيكتب: “ تخيلوا المأساة أن يقف أحدهم في الداخل طوال الوقت، ظانا أنه في الخارج، ويقول آخرون أن من في الداخل، هم في حقيقة الأمر في الخارج. وهذا بالطبع مأساة لا تقل عن الأولى. سيثور أحد الحمقى معترضا، لماذا لا يخرج ليتأكد؟ ويقاطعه أحمق آخر، ولكن كيف يخرج، أين الباب؟“.

”العالق في يوم أحد“ ربما يقول نصف سر. هو عنوان قصة داخل هذه المجموعة القصصية، وعنوان لكامل المجموعة، تلك القصص الممتلئة بالاحتمالات، والأسرار، والطرق الجديدة للحكائية، ما يدفع القارئ للتجديف مع تيارات متفاوتة من الأفكار، يمررها السعودي عبدالله ناصر باحترافية، بما يقارب خمسين قصة قصيرة، كأنها قوارب في بحار مختلفة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com