”فندق الغرباء“ لديمتري فيرهولست.. سرد مؤثر لقصص اللجوء – إرم نيوز‬‎

”فندق الغرباء“ لديمتري فيرهولست.. سرد مؤثر لقصص اللجوء

”فندق الغرباء“ لديمتري فيرهولست.. سرد مؤثر لقصص اللجوء

المصدر: حسام معروف - إرم نيو

يسلط الكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست الضوء في روايته الصادرة ترجمتها عن دار العربي للنشر والتوزيع 2018 على قصص متنوعة لمعاناة اللاجئين العابرين الحدود لمركز اللجوء في بلجيكا.

ويتقافز بطل الرواية ”باييول“، وقد ترجمتها ريم داوود،  بين مسارات زمنية مختلفة في حياته، ليصف الأحداث كراوٍ، تبعًا لما يدور حوله. ففي طفولته كان يحلم بأن يكون مصورًا شهيرًا، وكانت الكاميرا الرديئة من أبويه بمثابة أجمل هدية يتلقاها. ويتم نشر صورة قام بالتقاطها في جريدة شهيرة، ويكتب اسمه تحتها.

وفي مرحلة أخرى يتوقف حلمه على تصوير طفل أفريقي جائع، وبعد تركيز شديد، وإعداد لكادر الصورة، يكتشف أنها تفتقر لعنصر أساسي يثير الانتباه، والتعاطف، من العالم بأسره، وهو أن الصورة خالية من الذباب، وهناك توقف الحظ عن مشاركته حلمه بنجاح فكرته.

حياة تستحق السرد

ومرحلة أخرى من حياته، يركن بييول إلى اللجوء في أحد المراكز للاجئين، في بلجيكا، وهناك يتعرض إجباراً لمعايشة قصص مختلفة للاجئين الغرباء، من أماكن مختلفة في العالم، في كل قصة، حياة كاملة تستحق أن تسرد، عن الحزن والفقد والألم والخيبة والخوف والقلق. هناك بييول يعشق نزيلة في فندق الغرباء، وتغادره أخيراً في رحلة مخاطرة إلى لندن.

رداءة

وترمي الرواية إلى تعزيز مشاركة اللاجئين ظروفهم القاسية، ففي كل لحظة في العالم، هناك من يتعرض لنفس الدرجة من الرداءة في الحياة، ولربما أكثر من ذلك. واستعراض تلك الحياة القاسية للاجئين، لهم في الأصل رصيد مسبق مع الألم، لهو كشف عن جانب مظلم من التفكير الإنساني، وتعرية لقوانين مجحفة تمس الإنسان، وتتنافى مع أصول الحضارة الإنسانية.

إن فندق الغرباء أو فندق“بروبلي ميسكي“ يحمل صفات مغايرة عن تلك الفنادق التي نختارها، فنعد نجوم الخدمة المتوفرة داخلها، تلك التي يرتادها الإنسان باحثاً عن الرفاهية، أما فندق الغرباء، فهو مصير مطول، وغير مفضل، لمن يقدم طلب لجوء للإقامة كمواطن داخل بلجيكا.

صرير الأسرة

ففي فندق الغرباء، قد تجد نفسك نزيلاً مع شخص لا تحتمل البقاء معه، ينام إلى جانبك في غرفة غير معدة للاستخدام الآدمي. وكل نزيل في غرف الفندق مضطر لأن يشارك شخصًا، يعاني من أزمة مسبقة في دولته. حتى وإن أحسن الشخص اختيار الطابق العلوي من السرير، فإن الشخص الآخر في الطابق الأرضي، يتسبب في إفاقته من النوم لمجرد تقلبه في النوم، أو استرجاع كابوس قديم أثناء نومه. عوضًا عن أن ذلك الشخص قد يكون مجرمًا هاربًا، أو مجنونًا، أو يعاني من أزمة نفسية جراء ما تعرض له في دولته.

وحتى وجبات الطعام المقدمة من مركز اللجوء. فإنها تحضر للنزلاء في أوقات محددة، ولايمكن وصفها وجبة طعام، فإنها تقتصر على حساء رديء، وبعض القطع من الخبز.

تناوب على الألم

ويتشارك جميع النزلاء في متابعة ما يتم عرضه على تلفزيون وحيد في الصالة، فلا تلفزيونات خاصة في كل غرفة، ولا حرية في اختيار فيلم ما، أو فقرة فنية يرغب الشخص العادي في حضورها.

أما حمامات الفندق، فهي ليست مهيأة لأن تجلس لوقت طويل، تتحقق استرخاءً لعضلاتك، ولا لأن تعيد ترتيب أفكارك، بل أنك ستضطر لمشاركة عشرات النزلاء الآخرين هذا الحمام، والتصالح مع طرقهم في استخدامه، فالبعض قد يقضي حاجته واقفًا، أو جالسًا، وهناك من يقضيها وهو مقرفص فوق المرحاض، وبعضهم قد لا يفعل أياً من ذلك، ويفضل أن يفعلها وهو واقف. والشيء الأكثر سوءاً، أن كل نزيل مضطر للتناوب مع الآخرين، على تنظيف الحمامات بشكل دوري، فخدمة تنظيف الغرف والحمامات، ليست من ضمن الخدمات والميزات التي يوفرها هذا الفندق للنزلاء.

ختان

وخلال هذه الإقامة الجبرية، يستمع باييول إلى قصص الغرباء، ويعتصر لألمهم، ويشاركهم أحزانهم، فآسيا التي هربت من سيراليون، تستمر في الرقص على الرغم من تعرضها لبتر عضوها التناسلي، كإحدى ضحايا ختان الإناث، ويقول عنه: ”ذلك الموروث الاجتماعي، الذي لا دخل له بالحضارة“. أما ليديا القاصرة، التي مرت إلى هذا المكان، مقابل تضحية ما، فهي الصغيرة التي تركت أهلها، وكبرت قبل أوانها، أحبها باييول، لكنها كانت تريد أن تستمر في الهرب لمكان أبعد، ورفض هو ذلك، فتركته.

خمس عشرة دقيقة

ويتحدث باييول عن شوكت، الذي خاطر بحياته وزوجته، ووضع عائلته تحت رحمة عدد من المهربين المخادعين، واختبأوا داخل بالوعات الصرف الصحي، وبين قطعان الخنازير، داخل سيارات النقل، وقام، وزوجته بالزحف تحت الأسلاك الشائكة المكهربة، ثم هجرته زوجته، بعد وصولهما للمركز، فصار شخصاً أقرب للمجنون. وعن ”مقصود“ الذي امتلك خمس عشرة دقيقة فقط ليقص على إدارة المركز كيف تعرض للضرب المبرح، وكيف أحرقوا أبيه، واغتصبوا بناته، وكيف هاجمه اللصوص، وقاموا بسرقة ممتلكاته، وضرب أمه. مقصود الذي يصحو ليلاً وقد انتباته نوبات صرع، وخوف من رجوعه إلى زنازين بلاده، التي نال فيها أشد العذاب، فقط لأنه انتخب الحزب المعارض. ويتألم باييول مع الطفل ”ستايب“ شديد الجمال، الذي فقد عينه، نتيجة لقصف في بلاده.

ذبابة الحظ

وتحت قناعة الحظ من عدمه، يفشل باييول الموهوب في التقاط صورة للطفل الأفريقي الجائع، لافتقار المشهد لذبابة على جسد الطفل، كي تثير المتلقي، بينما ينجح المصور الخاص بالمركز بالتقاط صورة لباييول اللاجئ، وقد انتظر طويلاً دون معرفة باييول السبب، لكنه عرف سبب انتظاره لمجرد أن حطت ذبابة على جسده النحيل، فالتقط الصورة أخيراً.

قصص كثيرة، في فندق الغرباء، ينجح ديمتري فيرهولست في نقلها، بلغة سهلة، ومنسابة، وسرد مترامي الأطراف. هي تجربة صعبة، تتيح للإنسان معرفة القصص الداكنة في أطراف أخرى من العالم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com