في رواية ”قشرة الجوزة“ لميكوان.. محاكاة للمسرحية العالمية هاملت – إرم نيوز‬‎

في رواية ”قشرة الجوزة“ لميكوان.. محاكاة للمسرحية العالمية هاملت

في رواية ”قشرة الجوزة“ لميكوان.. محاكاة للمسرحية العالمية هاملت

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يعرض الروائي الإنجليزي إيان ميكوان أحداثا متراكبة على مسرح الجريمة، بأجواء بوليسية تدعو للتوتر، في روايته ”قشرة الجوزة“ الصادرة عن مجموعة روايات للنشر 2020، وبترجمة من إيمان أسعد.

وتعتمد “ قشرة الجوزة“ على التناص مع المسرحية العالمية الكلاسيكية ”هاملت“ للأديب شكسبير، ووضح أن هذا التناص يبدأ مع الأبيغراف الذي يتصدر الكتاب، والذي منه يستوحي الروائي إيان مكيوان عنوان روايته. وعلى طول عرض الاحداث يستمر ميكوان في الاستلهام من نص هاملت، ومن نصوص شكسبيرية أخرى، مثل ”مكبث“ و“السونيتات“، ويضمن روايته بأحداث وصور استعارية وبلاغية، مطابقة لما جاء في نصوص شكسبير، بما في ذلك الأسلوب الديالوجي، والمونولوجي في النص، وحتى أسماء الشخصيات.

مكان معتم

وتتناول الرواية، ومن خلال رحلة سردية، أحداثا متتابعة على مسرح الجريمة، حيث يُقدم الأخ كلود على قتل أخيه جون، من أجل الاستيلاء على بيته وزوجته ترودي، والتي تتورط في التآمر على الزوج. ويكون الانحسار الحكائي دائرا حول الجنين المحمول في رحم الزوجة، الذي يروي إرهاصات هذه الجريمة، ويقدم وصفا دقيقا، وهو في رحم الأم، لشخصيات الأب والأم والعم، على الرغم من المكان المعتم الذي يقبع فيه، الذي حكم عليه بصفتي العمى والبكم، قبل أن يخرج إلى العالم.

رأس مقلوب

ويخوض ميكوان وبسلاسة سردية معتادة، في أدق التفاصيل المصاحبة للإقامة الجبرية المتعلقة بالجنين في رحم الأم، بوصفه الإحساس الحكائي، والتفاعل بالحزن والفرح والعاطفة، تجاه ما يحدث خارج جسد الأم، وداخله، من أحداث وانفعالات، كما لو أنه كيان مستقل، بوعيه الخالص.

وتُولّد المراقبة الحسية الدائمة للجنين للحوار بين الأم والعم والأب، انفعالات خاصة، وتجديدية التجربة من خلال ميكوان، بحيث تأخذ القارئ إلى أماكن مهجورة في الوعي الإنساني. فالجنين الذي يدور دورات محدودة برأسه المقلوب، في مساحة تتقلص عليه وتتسع وفقا لحركة أمه، وتشنجاتها وانبساطها، يستطيع أن يؤسس لحركة فكرية حول العالم الخارجي، يتخيل بروزاته، وألوانه، بمراقبة مستمرة للتعداد الصغير من البشر من حوله. وفي لحظة وصفية يقول ميكوان على لسان الجنين وهو يصف قلب أمه:“ خفقه يتسارع على صوت زوجها، وهناك صوت آخر، صوت اضطراب في حجيرات القلب، يشبه صوت الخشخاشة من بعيد، أو صوت قرقعة الحصى في علبة الصفيح. من مكاني في الأسفل، أزعم أن الصوت الصادر عن طرفي الصمام الهلالي، يطبقان فجأة ويلتصقان، أو لعله صادر عن أسنانها، أما في نظر العالم فأمي تبدو وكأنها تعتريها السكينة، لا تزال الآمرة الناهية، سيدة صوتها“.

صوت الجنين

ويقوم ميكوان بإسقاطات رمزية، واستحضارية للارتباطات بشخصية الجنين ”هاملت“ الصغيرة في الحجم، الفائقة في الوعي، بتحليلية عالية خارجة عن سياق صنع الحدث، لكنها راصدة له، ومؤسِسة لمستقبله. فالأمير من رحم أمه، يتوعد العم بالانتقام، ويوبخ أمه على فعلتها، كما فعل شكسبير في عالميته“هاملت“.

ويعبر صوت الجنين إلى ذهن القارئ في انسياب مدهش، بقيامه بدور الراوي الذي يتنقل ما بين الحدث، والذهن، والعالم، ليربط بعد كل فصل عُقْدةً، هي الوعي الذي يضم الأفكار، كمن يربط عروق نعناع مقطوفة للتو.

خدش

وتكمن قيمة العمل في القدرة على التحليل الإنساني للذات، وللآخر، ولتناوب الأحداث على الخدش. إنها الطريقة التي يخدش بها العالم الوعي، ليمرّنه على التجريب، واكتساب مساحة أخرى من الأفكار. هذا ما يطرحه ميكوان دون تعقيد أو حشو.

شبابيك

ويبدو الهيكل الدرامي البسيط للرواية خاليا من إكسسوارات الزينة، باكتفاء الكاتب بحدث وحيد، يُمكن اعتباره مأزقا، فعليه أن يركز كل سُلطَته الإبداعية لاشتقاق شبابيك أخرى في حائط وحيد. وهو ما نجح به ميكوان، من حفاظية على التشويق، وإخفاء كرة هلامية، مخالفة للكرات السوداء والبيضاء، التي تُشكّل الصراع الدرامي بين شخصياته، تلك الكرة الهلامية هي خيط سرده التحليلي، متمثلا بصوت الجنين، وبؤرة الحدث باعتماده الديالوج المقتضب بين الشخصيات.

أُطُر وشخصيات

ووضح اهتمام الكاتب الإنجليزي بتحديد أطر لشخصياته، وزرع مكونات تتيح للقارئ ملاحظة الفروقات في البنية الشخصانية، فشخصية العم كلود جاءت متباينة عن شخصية الأم، على الرغم من اتفاقهما على خطة وأهمية قتل الزوج، وكذلك العشق المتبادل بينهما، لكن على مسرح الجريمة، ظهر اختلاف جوهري، بعدم تقبل الأم لكونها قاتلة، ومحاولتها تجريد نفسها مما تحمله روحها من ملامة، باعتبار كلود هو القاتل، وهو ما رفضه أخ الزوج، وبدأ يقايضها بين أن تعطيه وثائق سفره الرسمية ليتمكن من الهرب، وبين مساعدتها على الولادة، فقد دقت أخيرا لحظة ميلاد ”هاملت“.

قشرة الجوزة، حكائية سردية برمزية عالية، وتناص مُتقن مع ”هاملت“ شكسبير، يستغلها ميكوان في إسقاط قناعات وتحليلات قد لا تصل إلى حد القيمة الأخلاقية، لكنها تطرق على الزجاج، حول وهم الحضارة الإنسانية، على الرغم من اعترافه بتقدمها، إلا أنه يشير إلى انجراف الحس الإنساني إلى منطقة أشبه بالهاوية، فالحروب، والنزاعات الدينية والعرقية، والنفعية لا تزال تنهش جسد العالم، كل هذا يتطرق له على هامش حدث وحيد في روايته.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com