قراءة في رواية ”رسالة قصيرة للوداع الطويل“‎‎ – إرم نيوز‬‎

قراءة في رواية ”رسالة قصيرة للوداع الطويل“‎‎

قراءة في رواية ”رسالة قصيرة للوداع الطويل“‎‎

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يقدم الأديب النمساوي بيتر هاندكه، بحثًا عميقًا حول الذات الإنسانية في روايته“رسالة قصيرة للوداع الطويل“، والتي قامت بترجمتها نيفين فائق، عن منشورات الجمل 2016. هاندكه الفائز بجائزة نوبل للأدب 2019 عن مجمل سيرته الأدبية.

ويتناول هاندكه في روايته خامة الذات، ويفرد القماشة المصنوع منها التركيب الإنساني، ويظهره نقيًا، كواحد صحيح دون شائبة. ومن ثم ينتقل إلى مدى، وكيفية تشكل الأثر، واعتباره صفة غالبة، كنتيجة غير نهائية للتغير الإنساني. فهو يصف بدقة بالغة تساقط نقاط الماء على سطح القارب، أثناء اختراقه للنهر. وينطلق الروائي النمساوي من عتبة أن الإنسان، بذاته ومحتواه المعرفي، والتجريبي هو حبكة الرواية. ويضعه على قمة هرم السرد، وكأنه يريد أن يقول بأن الإنسان هو العالم، هو الأكثر غموضًا من كل الأشياء، هو الهامش الذي لا يحاول الكثير اكتشافه. ويواصل التنقيب عن سر تغير الفرد بمضيّه المستمر على طريقه، محاولًا التلميح إلى أن فهم العالم، لا يقوم دون فهم الإنسان.

حدة الزاوية

وعمد هاندكه إلى تعميق فكرة الإنسان عن نفسه بأسلوبه النثري السلس، و لغته الخالية من الإبهام، والمقتصرة على الصراع الداخلي للمرء. وقدم ذلك باللعب على حدة الزاوية التي يصنعها الوعي مع العالم، أو انفراجها. هي عملية إخراجية لسيرة الشخص في عبور حتمي للنهاية.

تروس

ويعتمد الكاتب النمساوي على خيال فلسفي مشع، كطريقة يحاول من خلالها، وبواسطة بطله، فهم الآلية المعقدة التي يدور بتروسها الكون. فيقول:“ خطر لي أن إحساسي المبالغ فيه بالوقت يعيقني على الجانب الآخر. وربما يعني ذلك أن إحساسي المبالغ فيه بذاتي يعيقني عن بلوغ التحرر والإيثار الذين أود بلوغهما“. ويكثر هاندكه من تغيير الزوايا و“السبوتات“الضوئية على الأشياء؛ بغية الفهم غير المعتاد، واستنباط رؤيته الخاصة، التي لطالما أوضح أنها مشوّشة. ويذهب بعيدًا إلى مكان لا يدخله أحد سواه، هو المكان الناجم عن احتكاك خياله بالأشياء، فهنالك صوت يناديه جراء ارتطام رمية الزهر مع أرض خياله، وكأن الرقم الذي يريده يظهر هنا ويختفي فجأة، ليثبت الرقم المعاكس لهواه، لكن شيئًا ما يخبره بأن الرقم المأمول، ثبت في زمن آخر.

ألغام

ولا يظهر خط سير هاندكه الروائي، وما يرمي إليه، إلا بعد مضيه بالقارئ إلى أماكن ملغومة، يعمل على تفجيرها تدريجيًا داخل الوعي الإنساني. وما يقوم به الكاتب، هو بناء حقيقي، لما نادت إليه مدرسة ما بعد الحداثة والبنيوية، بما قامت به من بسط لأفكار هادمة للتركيب الروائي السابق للحرب العالمية الثانية. ونادت البنيوية بترك التقليد القديم لبناء الرواية، والكف عن إبراز القيم، ونسجها في السرد الروائي، والانتقال إلى التجربة الذاتية للإنسان، بفرز عناصرها، وتحليل كل عنصر بمعايشته الشديدة الخصوصية، وما يطرأ على الإنسان من تغير كنتيجة لذلك. وهذا ما يحيلنا إلى معاكسة توجه من بادروا إلى قتل ما بعد الحداثة وإنهاء مسيرتها. فمن الواضح بأنها باقية الطرح الأكثر إشباعًا للفكر والوعي الجمعي.

حوادث

ويذهب الروائي النمساوي إلى التدقيق في فعل الطبيعة ذاتها، في تحرير الإنسان من شيء ما. وكأنه يعتبر  فهم الإنسان للطبيعة، ولنفسه، نتيجة حوادث متبادلة بين الطرفين، في كل مرة يهزم أحدهم، ويحدث التغير غير المحسوب، والذي لا يؤدي إلى قاعدة ثابتة المفاهيم.

التورط

وينتقل هاندكه إلى المرور الإنساني في عمق الآخر.  فيتمنى أن يحصر نفسه في داخله، دون أي استنشاق لهواء إنسان مغاير، فقط لأنه يخاف أن يفقد نفسه في غبار الآخرين. لكنه في كل مرة يتلوث بتماهيه في ذلك دون أي سلطة منه. ويقول في هذا:“ ربما أكون أحد هؤلاء الناس الذين يبدون استعدادهم للتورط في أية لعبة مع الآخرين، أولئك الذين يفقد المرء تجاههم فورًا الحذر الذي يحتفظ به عادة عند التعرف على شخص ما“. هي محاكاة خاصة للمشروع غير المحدد للإنسان كي يكتشف سره. وإن هذا النمط من التغريب في الطرح، يجعل من هاندكه كاتبًا ممن يخرجون السُكّر من العنب. كما أنه يأتيك بلغة، تثير الشك في الثابت، وتُبقي أسئلة الكون، بحوافرها، موجهة إلى طبقات وعي الإنسان المتكلسة.

غربة

ويطرح الأديب الفائز بجائزة نوبل إشكالية الإنسان مع الغربة. فما يفقده الفرد في غربته ليس في أنه انقطع عن أشياء كثيرة ارتبط بها في أرضه، لكن كل ما يتبعثر منه، في جهده لفهم طبيعة المجتمع الجديد. وهنا لا يترك فرصته لإبراز الفارق بين المجتمع الأمريكي والأوروبي، من حيث المشاعر والعادات والتقاليد، وكذلك النظرة للآخرين. ويتحدث أيضًا عن غربته الطاغية على الإنسان، من خلال وصف مشاعره مع ”يوديت“ عشيقته، التي وصلت إلى حالة الثقل المبرر لسقوط قادم.

مشاركة

ويبرز هاندكه هوية خاصة له حول السعادة كشعور غير قابل للتشكيك وقت حدوثه. ولا يكترث حين يبدو صغيرًا أمام مدّها. فهو بإمكانه أن يحمل أي شيء دون مشاركة، إلا السعادة، لا يستطيع حملها وحده.

ويطرح الأديب النمساوي روايته على قسمين، رسالة قصيرة ترهق بطله لغموضها، في القسم الأول للعمل، والوداع الطويل، عنوان آخر يكشف بواسطته رحلة طويلة من التشكل، تتأثر تبعًا لعلاقة الفرد بالآخر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com