فوز مستحق لآبي أحمد بجائزة نوبل – إرم نيوز‬‎

فوز مستحق لآبي أحمد بجائزة نوبل

فوز مستحق لآبي أحمد بجائزة نوبل

عدلي صادق

كثيرة هي الأسباب التي رجّحت ترشيح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي للفوز بجائزة نوبل للسلام التاسعة والتسعين. فقبل اختتام قائمة المئة، منذ العام 1901 من تاريخ هذه الجائزة والفائزين بها من أشخاص ومنظمات في جميع أنحاء العالم، كان لآبي أحمد علي شرف الفوز بنوبل، لتجاوز مناقبه، مناقب آخرين بلغ عددهم 31 رُشحوا بقوة لنيل هذه الجائزة، من بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وجاسيندا آردن رئيسة وزراء نيوزيلاندا، التي واجهت بقوة وشفافية وغضب عملية إطلاق النار الإرهابية المرعبة في مسجد تشيرستتشيرش في بلادها، التي أودت بحياة 51 مصليا وجرح 49 آخرين. فقد تعددت مناقب آبي أحمد الحضارية في القارة السوداء، ولم تقتصر على إبرام السلام مع إريتريا، بعد عشرين عاما من احتراب الجارتين!

فالرجل، وهو على رأس الجهاز الحكومي في بلاده، جمع بين التوجهات الداخلية والخارجية التي من شأنها تكريس السلام على الصعيدين الاجتماعي الداخلي والسياسي الخارجي. أجرى إصلاحات في بلاده، أدت إلى تغيرات عميقة في السياسة الداخلية التي عُرفت بكونها من أسوأ السياسات في العالم وأكثرها غلاظة. أوقف تماما كل الانتهاكات التي كان يقترفها الحكام السابقون، واستعان بمنشقين سابقين، وأتاح لهم شغل مناصب حكومية عليا، وفتح مجال العمل العام للمرأة الإثيوبية، واستطاع أن يرسم باقتدار حدودا بين ماضي الحكم ومستقبله في بلده الأفريقي، وأن يذهب بخطى سريعة إلى التنمية!

وفي ردة فعله العفوية على فوزه بالجائزة، لم يغادر تواضعه. فمن بين ما قاله عن فوزه “أشعر بالتواضع مع الاندهاش.. شكراجزيلا. إنها جائزة تُمنح لأفريقيا وتمنح لإثيوبيا، وبات في وسعي أن أتخيل كيف ستُمنح هذه الجائزة لبقية قادة القارة، الذين سيحثهم هذا الحدث على الاستمرار في العمل الإيجابي على بناء السلام”!

بدأ آبي أحمد علي حياته العملية ضابطا عسكريا متخصصا في الاستخبارات الإلكترونية، وأوصلته الدروب إلى الموقع الذي يفاجئ به عشرات الملايين من البشر في إثيوبيا وفي القارة، بإبرام اتفاق سلام مع إريتريا. فقد عاين مسألة الحرب والتربص لها، ووصل إلى قناعة بأن إثيوبيا وأريتريا، كلاهما، دفعتا ثمنا غاليا للحرب من موارد بلديهما الشحيحة. وبالتالي رأى أن تلك الحرب هي التي أعاقت التنمية التي جرّت الاضطراب إلى المنطقة بأسرها. من هنا، بدأ يلعب دورا قويا ورئيسيا لتصفير النزاع. وعندما تم طي مرحلة الحرب، علا شأن إثيوبيا نفسها ودورها الإقليمي، وكان آبي أحمد اللاعب الأجدر الذي يمكنه التوصل إلى صفقة سياسية في السودان المجاور، إذ ساعد على وقف احتمالات انزلاق السودان إلى الفوضى بعد سقوط الدكتاتور البشير، وساعد السودانيين على إحراز العديد من المكاسب، وبدأت عملية بناء النظام الجديد في السودان، بعد التوافق على مرحلة انتقالية.

كان لافتا أن آبي صاحب مبادرات شخصية تتسم بالجرأة، كذلك صاحب كاريزما، وهذا الذي جعله يتبوأ مركز رئيس الحكومة الذي يتمتع بشعبية كبيرة، على الرغم من كونه مسلما في بلد مسيحي تقليدي. وكان في ذلك كله، أكثر ميلا إلى استباق عمل المؤسسات الحكومية وما يتوطن فيها من بيروقراطية. وبجانب كونه مسلما في مجتمع مسيحي ومتأثرا بثقافته، فهو الزعيم السياسي الأول الذي ينتمي إلى أكبر مكون عرقي في البلاد، وهو “الأورومو” الذي اشتكى المنتسبون له، ولعقود طويلة، من التهميش الاقتصادي والثقافي والسياسي، وشملت إصلاحاته المحلية رفع الحظر عن الأحزاب السياسية، المعبرة عن طموحات جميع مكونات المجتمع. وسعى الرجل إلى تصفير المشكلات الداخلية العالقة فأفرج عن الصحافيين المسجونين فور تسلمه منصبه!

وشملت الإصلاحات المحلية رفع الحظر عن الأحزاب السياسية، والإفراج عن الصحافيين المسجونين، وعزل المسؤولين الذين أمروا بالتعذيب في السجون. ولم يعد الإثيوبيون يخشون التعبير عن آرائهم علنا، وظهرت الرموز السياسية التي عانت من السجون ومارست نشاطها في مناخ حرية الإعلام. وفي السياق التنموي، كانت هناك مبادرات أخرى، كزراعة الملايين من الأشجار والتركيز على الصناعات الاستهلاكية التي تتطلبها السوق الأفريقية.

ويتحدر آبي أحمد علي من غرب إثيوبيا، وكان ممن انضموا في سن المراهقة إلى المقاومة ضد نظام منست وهايلي مريام إذا استبق التجنيد في القوات المسلحة التابعة للنظام القمعي آنذاك. ولما انتظم في سلك الجندية، وصل إلى رتبة ملازم أول، لكنه واصل تعليمه حتى درجة الدكتوراه في دراسات السلام والأمن. وبعد فترة أمضاها في إدارة جهازالاستخبارات السيبرانية (الإلكترونية) في إثيوبيا، انخرط في المضمار السياسي قبل نحو ثماني سنوات، فانطلق بسرعة كبيرة، من بين صفوف فصيل”أورومو” من الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي. وهو ملمّ بالثقافة المسيحية ويجيد ثلاث لغات محلية تساعده على التعاطي مع مكونات الشعب الإثيوبي، لتضييق ومعالجة الانقسامات الداخلية، وجد نفسه محاطا بتأييد الشعب الذي أرهقته الانقسامات الطائفية والعرقية وعمليات التهميش وانعدام ثقة المكونات الشعبية بعضها ببعض.

وكان هذا السياق بحد ذاته سببا في تقدير الغرب لسياسته. ولم تكن طريق الرجل سهلة ومعبدة، لكنه بالعزيمة استطاع أن يعبر بالبلاد إلى بر الأمان، وإخماد أعمال العنف التي اندلعت بعد إطلاقه مشروع السلام الداخلي والتحرر السياسي. فقد منحه شعبه الثقة في قدرته على توجيه الخطط الملبية للمطالب الشعبية، وتنفيذ سياسات مدروسة لمجابهة بعض هذه الكوارث التي يعاني منها الناس وتسببت في النزوح، وتخليق عوامل الاضطراب.

وجاءت أهم إنجازاته وانتصاراته، عندما تجاوب مع المبادرة الإماراتية لصنع السلام في المنطقة، من خلال توقيع اتفاقات السلام مع إريتريا، وإعطاء موافقته المتأخرة على اتفاقات سابقة ظلت معلقة تنتظر من ينفذها. فانتهت حرب اندلعت بسبب التعارضات في موضوع ترسيم الحدود. وانتهى حال التربص العسكري وطويت فكرة الحرب وكيفية التهيؤ لها، وكان ذلك العمل الومضة التي لمعت في ناظر محبي السلام ومن يتطلعون إليه ويمنحون جائزته الأكثر أهمية في العالم!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com