الحنين يكمن في التفاصيل… كتاب “ كيف تصبح كرديًا في خمسة أيام“ للكاتب مروان علي

الحنين يكمن في التفاصيل… كتاب “ كيف تصبح كرديًا في خمسة أيام“ للكاتب مروان علي

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

عن اللهفة للذكريات والمكان الأول، يسرد الكاتب الكردي مروان علي سيرته الذاتية، ويمزجها بومضات شعرية، في كتابه“ كيف تصبح كرديًا في خمسة أيام“ الكتاب المنشور في 2019، باشتراك بين دار المتوسط للنشر والتوزيع، ودار السويدي للنشر والتوزيع، الإماراتية.

صندوق المهمشات

 حيث يتقن مروان علي التنقيب بين زحام ذاكرته عن الأحداث الدقيقة، تلك التي يحافظ عليها الإنسان؛ كي لا يفقد جوهره.

 ويتعمق في استجواب انطباعاته عن الماضي، مستفيدًا من قدرته على التقاط التفاصيل المهمشة، لكن مروان علي كان وبتلك المواقف يصنع أثرًا فنيًا، يتلامس مع انطباعات الكثيرين ممن امتلكوا ذلك الانتماء لصندوق المهمشات.

وبينما تنحت الغربة وعي الفرد، يسعى السرد لاستعادة الجذور الإنسانية من خلال الرموز، تلك التي ارتكز إليها الكاتب الكردي في جمع الفوضى الناجمة عن حنينه لوطنه.

 وكما بدا في المزيج الشعري والسردي، في كتاب مروان علي، فإن من ترك الوطن، أينما يذهب يلتفت إليه. فسرد الكاتب عن تفاعلاته غير المرتبة داخله، مثل عشب غير مشذر، في كل مرة كان يلتقط العشبة التي تلمع أمام عينه، ويحتضنها. فلامس في تذكّره تراب قريته، و قيمة عرق الفلاحين. وتدفأ بحرارة الشمس، وضحك لتطاحن حبات القمح، مبديًا لهفة، لرائحة الخبز فقال:“ أسرع قليلًا كيلا أتأخر عن رائحة الخبز صباحًا في قامشلي، التي أتذكرها بأمل وقلق أيضًا“.

فكٌّ لِفخ

 و دأب مروان علي طيلة رحلة السرد، على الحديث بضمير المتكلم مثل قائد يترجل جيشه، ففي الأمر مكاشفة، واستهداف لأماكن غائرة تتطلب التوحد مع الذات لا الانفصال عنها بطريقة تشخيص أخرى. فيحيلنا الكاتب إلى أشخاص عايشهم، وتعلم منهم، أحبهم، وتعارك معهم، هو مصنع الحياة القديمة، يدخله مروان علي، بتلك الغصة التي اسمها السرد.

قد يبدو أن عنوان الكتاب يحيلك إلى وصفة، لكنه في حقيقة الأمر، ”فك لِفخ“، بحيث تدخل، فتجد نفسك متورطًا في تفاصيل الطفولة والشباب، التي لربما من بينها العديد من الأحداث، التي تعود لتتنفس داخلك لمجرد الانسياب مع نصوص مروان علي. فهو لا قصدية لديه ليجعل القارئ كرديًا، لكنه يريد له أن يرى كردستان، الحبية، والوطن، بأعين متعطشة للمشاهد المُجرَّبة. وفي وقت ما يصنع الكاتب إرباكًا متعمدًا، في أنه تارة يتحدث عن امرأة اسمها كردستان، هي عشيقته، وأخرى عن الوطن، الذي تفصل فيه إطار وجوده.

عكس الفريم

يتفقد مروان علي بشغفه الواضح، قامشلي، قريته، وكرصود ذكريات النشأة، ومروره بحلب، ولوعته لفرن الخبز، والفرن الطيني، وتبدو كذلك الحرب حاضرة كبصمة لا يمكن تزويرها في وعيه.

ذلك الحنين الطاغي يوزعه الكاتب على خمسة أيام، يعيد من خلاله نفسه إلى الجو الريفي، الممتلئ بالتراب، وذاكرة القمح، وخطوات الخرفان بين العشب القليل. ملحمة مع الذهن، تتبلور في سرد بلغة منمقة، وأسلوب متمكن، يظهر من خلالهما قدراته الإبداعية. وكأنه بذلك يعكس ”فريم“ الصورة ليقرأها من الجهة الأخرى.

كما ويُسقِط الكاتب في نصه، الديالكتيك، بتمرير شخصيات مثل أجاثا كريستي، ولينين، ويتحدث عن مفاهيم مثل الإمبريالية، و الإقطاعية، والرجعية، والشيوعية.

جبال في الذاكرة

ولا يكتفي مروان علي بسرد وجعه، بثيمة الإسهاب، فبعض الوجع لديه، جاءه كثيفًا، مُركّزًا، أو لربما لم يكن بمقدوره، احتمال تشريحه؛ فقام بعملية الزّم، بواسطة اللغة، ووضع شذرات شعرية مكثفة، وصارمة، لتعبر عما يعلق في جدرانه. فكتب:

”كلهم مروا فوق جبالنا العالية،

كلهم ذهبوا،

وبقيت الجبال“.

وكتب عن الحرب:

”ستعودون من الحرب منتصرين،

ستكون المدن فارغة،

و أبواب المقابر مفتوحة،

ولن ينتظركم أحد!“.

وكتب في الحب:

”لم يقل شيئًا لنافذتها المغلقة،

و عدّ ذلك خيانة!“.

اللغة كإنسان

ويظهر كم الحزن المكوم داخله، لمواقف الطفولة، بما شملته من كسر للحرية، حتى في اختيار اللغة التي يريد التحدث بها، فيكتب:“ في أول يوم ذهبت فيه للمدرسة، التفتُّ إلى أخي راكان، الذي كان يجلس خلفي، وقلت له بالكردية، أنا جوعان، متى سنعود للبيت، ولم أرى بعدها شيئًا، صفعة كبيرة كجبل، وقوية كانفجار نووي، إحكي عربي ولك. بكى أخي، وبكت الطاولة، وبكت أمي، وبكت الحجارة البعيدة“. وبنبرة المار على رائحة الأمل، يقول:“ سيأتي يوم ويتعلم أطفالنا بلغتهم، في المدارس، وفي درس الموسيقى، سيحفظون أغنيات محمد شيخو، ويستبدلون قصائد سليمان العيسى، بقصائد جكرخوين“.

ثلاثة أماكن

وبمفهومه الوجودي، يعري مروان علي الألم، بحيث يسلخ عنه، الجغرافيا، واللغة، والحدود. فيجعله مثل المُشرّد الذي يبحث عن أي جسد يتوطن فيه.

ويجمع قطبي حيرته، المكانان اللذان يعبران عن صورته، كرصود، وامستردام الهولندية، حيث مكان اغترابه. حين يكتب:“ أحب ذلك الطفل الذي ركض في شوارع كرصود كثيرًا، ونام في حضن أمه، وحين استيقظ، وجد نفسه وحيدًا وكبيرًا، في أمستردام“. وهنا يضع بين قطبي الحيرة وقتًا من الأمان، قضاه في مدينته الأعظم، حضن أمه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com