بين إكراهات البقاء وشبح الزوال.. أي مستقبل ينتظر المجلات الثقافية العربية؟

بين إكراهات البقاء وشبح الزوال.. أي مستقبل ينتظر المجلات الثقافية العربية؟

المصدر: حسام معروف- إرم نيوز

منذ نهايات القرن التاسع عشر، صعد إلى النور في المشهد الثقافي العربي، عدد كبير من المجلات الثقافية العربية، التي تصدرت المشهد الثقافي، وأحدثت ما يمكن لمسه من محطات معرفية، اسهمت في تطور الفكر العربي.

وبحسب أرشيف المجلات الأدبية والثقافية العربية، فقد بلغ عدد المجلات العربية ما يقارب 199 مجلة، بواقع 13236 عددًا تم إصداره بالمجموع العام، بمشاركة 19358 مؤلفًا عربيًا، و261441 مادة تم نشرها.

أسماء بنبض مستمر

ومن أبرز المجلات العربية خلال تلك الفترة، مجلة ”الأستاذ“ من مصر، و“لغة العرب“ من العراق، و“المشرق“ و“مواقف“ من لبنان. و“العربي“ من الكويت، و“الكرمل“ من فلسطين، و“آفاق الثقافة والتراث“ من الإمارات، و“الفيصل“ من السعودية، و“نزوى“ من عُمان.

وما لوحظ خلال القرن الماضي، فإن الكثير من هذه المجلات توقفت عن النشر عند عتبة ما، بل معظمها فعل ذلك. فما الأسباب التي أدت إلى ذلك التوقف رغم الأهمية المنوطة بذلك الغرس الفكري؟.

الإمساك بالجذر

إن قيمة المجلة الثقافية تتكلل بالجهد المعرفي الذي تبذله، بواسطة اشتباك ذهني منظم مع كافة أطياف المجتمع، وخاصة الطبقة المفكرة منه، لنيل مردود حضاري وثقافي، يظهر أثره مع التوعية وأساليبها المختلفة، من شعر، وفلسفة، وقصة، ومسرح، وفن بصري، ونقد، ومقالات، تعالج الظواهر الثقافية.

وهذا ما يجعل للمجلة أهمية التواجد، وضرورة الاستمرار. فلابد أن تنطلق المجلة في الأساس من فكرة التغيير، ولا يكون ذلك إلا بامتلاك رؤية. تلك التي تقوم على تراكم معرفي، ووعي حاوٍ لجذور المعضلات المحيطة بالبيئة الثقافية والاجتماعية للمجتمع المحيط بالعموم.

إنها كيفية في اختلاق صرح يحدث ثقبًا في المادة التكلسية العازلة بين الفرد وبين حريته، وآفاق تطوره. ولابد للمجلة أن تتميز بالقدرة على الانتزاع الناعم للقيم الاجتماعية والفكرية المتطورة، وإبرازها للمتلقي كمشروع حياة ونهضة.

التمويل وغيابه

ولضمان استمرارية أي صرح ثقافي، فإن ذلك لا يتم دون دورة اقتصادية واضحة، تبنى على أساسها الخطة المستقبلية لطرح تلك المجلات، وتوزيعها.

ومن أسباب تساقط مجمل المجلات العربية، فقدان مصدر تمويلها، أو أن ذلك لا يكفي للإنفاق عليها، بغية استمرارها.

ومن أهم العوائق لأجل استمرار صدور المجلة الثقافية العربية، هي تكلفة الطباعة، التي تعتبر التكلفة العظمى في موازنتها، بالإضافة إلى تكاليف العاملين فيها من كتَّاب ورئيس تحرير، ومؤلفين، ومصممين.

وفي الوقت الذي تخضع فيه غالبية المجلات العربية الثقافية لفكرة التمويل سواء من السلطة، أو المعارضة، فغالبًا ما يكتب لها الفشل.

أما عن تلك المجلات التي تنطلق بجهد ذاتي، فهي بحاجة لبيع الأعداد المطبوعة بشكل دوري، أو عمل اشتراكات للقراء، تنقذها من سيناريو الزوال، وهو ما تتبعه رئاسة التحرير في المجلات الغربية.

وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي يمر بها المجتمع العربي، أصبح اهتمام المثقف العربي بشراء عدد من مجلة ثقافية. في آخر الخانات.

اهتزاز وثبات

إن ما عانت منه المجلات الثقافية العربية على مدار عشرات السنين في الواقع العربي، هو التفلت. فهنالك أدوات يتم اكتسابها لدى القائمين على أي صرح ثقافي، أهمها المعرفة والرؤية، وامتلاك تشخيص سوسيولوجي يؤثر ويتغير تبعًا لمعطيات التحول الاجتماعي. لكن سرعان ما تفقد هذه الأدوات نضارتها، لأسباب مختلفة متعلقة بالأشخاص تارة، وبالمحيط  تارة أخرى.

وفيما يتعلق بالأشخاص والطموح إلى المزيد من الهيمنة والظهور، واكتساب العلاقات والنفوذ لدى البعض، جعل من المجلة الثقافية مطمعًا في الوصول إلى المراكز، ومناطق الاحتكاك بالسلطة. و هو ما يورث النزاعات، والفرقة بين القائمين على تلك التجمعات الثقافية.

تعطل سكة القطار

ومن الجانب الآخر، قد يئد المجتمع ذاته صروحه الثقافية. فالمجلة، وبمجرد بروزها بين الجماعة، تصبح مثارًا للتناول للنقد والمديح، ومحاولات للجذب، أو التشهير، وتعتبر حجرة عثرة في الكثير من المواقف، التي تسهم في تعطيلها.

فالكثير من المجلات العربية واجهت هيمنة الرقابة، سواء السلطوية، أو الاجتماعية. فما تفرضه الأنظمة من محاولات تقييد وقراءة مسبقة لمحتوى المجلة الفكري، يجعل هيئة تحرير المجلة تحت ضغط مستمر، تكون في الغالب نتيجته الأخيرة الإجهاض، أو البقاء، لكن دون وازع فكري محدد بعمل تمثيلي لا أكثر، وهو ما يفقد المجلة قيمتها.

وقد أدت التغيرات المتسارعة في حياة الفرد العربي، إلى إنشاء محطات ثقافية جديدة، تعطلت عندها الكثير من القطارات الثقافية، بما فيها المجلات.

صبغة التكنولوجيا 

 وما لا يمكن إهماله، ما أدخلته التكنولوجيا على الصحافة العربية والعالمية بشكل عام، والمجلات بشكل خاص. فالأدوات التكنولوجية طرحت للمتلقي العديد من الثيمات المذهلة في النقل المعرفي والثقافي، إلى درجة مكنت المتلقي من الحصول على معرفة نوعية ووفيرة، بما يتوفر من كم من المنشورات والكتب وبشكل مجاني، في أماكن مختلفة على مواقع الإنترنت. لاسيما في ظل عدم انتظام أغلب المجلات الثقافية في مواعيد صدورها. فكل ذلك جعل مؤسسات المجلات الثقافية، تذهب لطرح تلك المجلات إلكترونيًا، بل والتخلي عن الطباعة والتوزيع كالمعتاد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com