رواية ”شمس بيضاء باردة“ تقدِّم ربطًا فلسفيًّا بين الواقع والميثولوجيا

رواية ”شمس بيضاء باردة“ تقدِّم ربطًا فلسفيًّا بين الواقع والميثولوجيا

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

تُقدِّم رواية ”شمس بيضاء باردة“ للكاتبة الأردنية كفى الزعبي ربطًا فلسفيًا بين الواقع المعاصر والميثولوجيا التاريخية لمنطقة الهلال الخصيب وحوض المتوسط.

ورُشِّحت الرواية للقائمة القصيرة لنسخة العام الحالي من الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) التي ستُعلن نتائجها في الـ 23 من أبريل/نيسان المقبل، إلى جانب 5 روايات عربية أخرى؛ هي: رواية ”صيف مع العدو“ للكاتبة شهلا العجيلي، ورواية ”الوصايا“ للكاتب عادل عصمت، ورواية ”بريد الليل“ للكاتبة هدى بركات، ورواية ”النبيذة“ للكاتبة إنعام كجه جي، ورواية ”بأي ذنب رحلت؟“ للكاتب محمد عزوز.

في الرواية، يجد البطل الذي يحمل اسم ”راعي“ نفسه مضطرًا لمسايرة محيط اجتماعي يعاني في التأقلم معه، وسط حالة من الاغتراب الذاتي والاجتماعي، مع كثير من النكران والرفض لمفاهيم المجتمع وأعرافه؛ ما يتركه عرضة لصدامات طويلة لا تنتهي، ليكون الخاسر الأول، في ظل قوة وسطوة السلطات الاجتماعية والسياسية والدينية.

ويعاني ”راعي“ نبذَ أسرته له، بعد أن طرده والده المتسلط، وسط استسلام والدته الخانعة لقمع رب الأسرة، ويجد ”راعي“ نفسه متورطًا بعلاقة حميمية مع فتاة قاصر، ليتدخل جبروت الأب ونزواته ويتحول حبه لها إلى نقمة.

يعيش ”راعي“ الشاب الأردني الوحيد، في غرفة متهالكة بلا نوافذ، تعكس مدى تقوقعه وعدم قدرته على الاندماج، ليكون المكان مؤطرًا ومكملًا لشخصيته المغتربة، ومع استمرار حصاره من جدران غرفته الضيقة، يسرد ”راعي“ يومياته الخاصة وما يواجهه من أحداث، على مدى 14 يومًا وليلة، لتنهال على كاهله الهواجس والكوابيس والأخيلة، يعزز ذلك وحدته المتأصلة وغياب العائلة والأصدقاء.

وتدور الرواية بالكامل في فلك ”راعي“ الذي استفاضت الروائية بالحديث عنه، لتبدو الشخصيات الرواية الأخرى كخلفية باهتة للأحداث، لا يهمنا منها سوى مدى تأثيرها على ”راعي“ دون الخوض في تفاصيل حياتها ومبررات أفعالها. لتعود بنا الرواية إلى نموذج البطل الواحد الذي دأب كتاب الحداثة على مدى عقود على تجاوزه والاحتذاء برواد الرواية الحديثة، بالانحياز للبطولة الجماعية.

 

اللجوء للميثولوجيا

وتستحضر الكاتبة شخصيات بارزة من الميثولوجيا مثل ”جلجامش وسيزيف“ لتعيد شحنها بدلالات معاصرة، مانحة إياها أبعادًا جديدة تمكنها من تجاوز عصرها، لتوظفها توظيفًا عكسيًّا، كنموذج واقعي من الجائز تعميمه في الواقع العربي المعاصر؛ وترى الناقدة والباحثة، د. علياء الداية، أن بعض الروائيين يلجأون ”لاستخدام التراث، كطعم لاصطياد القارئ، والنفاذ إلى وعيه بسلاسة، فالتراث يجذب شريحة واسعة من المتلقين“.

ولعل لجوء الروائيين إلى الموروث الجمعي لم يكن بهدف إحياء انتصارات الماضي وتمجيده، بقدر ما يهدف إلى تسليط الضوء على سلبيات الواقع المعاصر وفضح عيوبه، وطرح أزمات وقضايا وإشكاليات الحقبة الراهنة، بالإضافة إلى ما تعانيه البلاد من ظروف سياسية واجتماعية خانقة، متسترين وراء رموز الميثولوجيا من ملاحقة الرقابة، باتخاذهم طرقًا غير مباشرة لمواجهة تلك الظروف القاسية، والتعبير عن الواقع، وتصوير أزماته، من خلال أبطال التراث الذين يُنطِقهم الكاتب بما لا يستطيع التعبير عنه بشكل مباشر، ويُجسِّد من خلالهم ما تصبو إليه أحلامه.

ويندرج توظيف التراث واستحضار رموز الميثولوجيا في الأدب المعاصر، ضمن تقنية ”القناع“ التي كان الشعراء أول من استخدمها؛ هذه التقنية، كما يرى الناقد فاضل تامر في كتابه ”مدارات نقدية في إشكالية النقد والحداثة والإبداع“، تمثل ”أسلوبًا جديدًا في التعبير الشعري، دخل الشعر في مطلع القرن العشرين ليؤدي وظيفة جديدة، تمنح الشاعر معالم درامية واسعة يستطيع التعبير من خلالها عن رؤياه للعالم المعاصر“.

تمجيد الاغتراب

ولعل بطل الرواية الخفي كان الاغتراب الذاتي والاجتماعي، وعدم قدرة الفرد على الانخراط في محيطه، وهو من أبرز الأزمات النفسية التي تعصف بالأفراد في مجتمعاتنا، في ظل الخيبات وحالة الإحباط، جراء انكسار أحلامهم ورؤاهم وطاقاتهم المتفجرة، أمام واقعهم المتسلط، إذ يؤدي توالي الخيبات إلى تأزم علاقة المبدع مع الأنظمة برموزها كافة، لينتهي به المطاف في دوامةٍ من الإحساس بالعزلة، مفضلًا الاستسلام والانكفاء على الذات.

فالظروف المعيشية المتردية، وانعدام الحرية والمساواة في ظل المجتمع الاستهلاكي الحديث، دفعت الفرد إلى الانكفاء على نفسه والشعور بالاغتراب، لتنعزل الشخصية المغتربة التي أخفقت في تحقيق الانسجام والتماهي مع أعراف المجتمع وقوانينه، وتلجأ إلى الانسحاب.

والحياة السياسية العربية أنتجت واقعًا جديدًا ومتغيرات كبيرة أثرت في الإنسان المعاصر الذي وقف عاجزًا أو مسلوب الإرادة أمام مكونات العصر الجديد، ليعاني اغترابًا روحيًّا وفكريًّا ويتساءل عن أهميته وفاعليته؛ ما دفع كبار الباحثين والعلماء في مختلف المجالات إلى تخصيص مساحات كبيرة من أعمالهم لمناقشة مفهوم الاغتراب، والبحث في مظاهره، والتقصي عن مصادره وأسبابه؛ ويرى الباحث ”ميشيل مان“ في كتابة ”موسوعة العلوم الاجتماعية“ أن كلمة اغتراب تدل على ”ضياع المرء وغربته عن نفسه ذاتها، أو عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عن الهيمنة على العمليات الاجتماعية والاقتصادية“.

وتجدر الإشارة إلى صعوبة وضع تعريف محدد لمفهوم الاغتراب، إلا أن السياقات التي ورد فيها هذا المصطلح غالبًا ما تشير إلى العجز، الانفصال، العزلة، اللامبالاة، الانسحاق، والتسليم، وهذه المعاني جميعًا تشير إلى الإحباط الذي تسببت به الحضارة للإنسان، إذ فرضت عليه واقعًا يتنافر وطبيعته الفطرية البدائية، لتكون النتيجة انعزال الفرد عن حركة المجتمع وثقافته واغترابه عن وجوده الحقيقي. ليعيش مرغمًا في حالات العجز واللا معيارية وتفكك القيم وفقدان المعنى وغربة الذات والعزلة الاجتماعية.

ويعرِّف عالم النفس ”إيريك فروم“ الاغتراب الذاتي بأنه ”نمط من التجربة يعيش فيها الإنسان كشيء غريب، ويمكن القول، إنه أصبح غريبًا عن نفسه، فلا يعود يعيش نفسه كمركز للعالم ومحرك لأفعاله“.

ويغلب على الشخصية المغتربة الطابع التشاؤمي، في ظل ما تعانيه من انغلاق وتقوقع واستسلام قدري، توصلها إلى نتيجة مفادها الفراغ والعبثية واللا جدوى، في حياةٍ أشبه ما تكون بالموت، إذ لا خيار أمامها سوى الرضوخ والانصياع.

 

عن الكاتبة

ولدت الروائية والصحافية كفى الزعبي في الرمثا في الأردن، وتبلغ من العمر 54 عامًا، حصلت على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية للهندسة المدنية في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1992، وتكتب حاليًّا للصحافة الأردنية والعربية وهي عضو في رابطة الكتاب الأردنيين وتقيم في العاصمة الأردنية عمان.

أصدرت الزعبي روايات عدة؛ منها رواية ”سقف من طين“ عام 2000، ورواية ”ليلى والثلج ولودميلا“ عام 2007، ورواية ”عد إلى البيت يا خليل“ عام 2009.

ونشرت الزعبي روايتها الأخيرة ”شمس بيضاء باردة“ العام الماضي، عن دار الآداب للنشر والتوزيع في العاصمة اللبنانية بيروت، ودخلت في القائمة النهائية القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2019، وتقع في 318 صفحة من القطع المتوسط.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة