“تاج الياسمين”.. رواية للفلسطينية بشرى أبو شرار تسبر غور العالم الافتراضي

“تاج الياسمين”.. رواية للفلسطينية بشرى أبو شرار تسبر غور العالم الافتراضي

المصدر: تحسين يقين - إرم نيوز

في ظل تكنولوجيا المعلومات، والعالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، وجد جزء من الروائيين/ات أنفسهم، منخرطين بها، ومن خلال الوعي أو اللاوعي، فقد انعكس ذلك على الإبداع سردًا وتقنية روائية، بشرى أبو شرار الروائية الفلسطينية المغتربة.

وتعد رواية أبو شرار مثالًا على هذا النوع من الرواية التفاعلية، والتي ستكون فاتحة ملتقى الشارقة السادس عشر للسرد في الخريف القادم 2019، في سياق متابعة تحولات وجماليات الشكل الروائي الذي كان محور الملتقى الأخير الذي عقد في المغرب.

فما إن تنتهي من نص رسالة حتى يبدأ نص آخر، وهكذا إلى آخر الرواية، هذه الأسماء والاقتباسات التي تكاد تغطي نصف الرواية، أعادتنا إلى القراءة من جديد، بقصد استقصاء الأسماء الكثيرة ورصدها وتصنيفها، فماذا يعني تكرار الأسلوب، إلا أن تكون ظاهرة، وإن كانت كذلك فكيف نصفها ونحللها؟ وكيف نفسّر وجودها؟ وكيف تم توظيفها؟.

أدعي أننا أمام رواية إبداعية شكلًا ومضمونًا، شكلًا عصريًا، ومضمونًا نبيلًا، له علاقة بالمصير، مصيرنا جميعًا، أفرادًا وجماعات وأمة، للخلاص من كل هذا الوجع والدم.

ففيما يخص الجزء الأول، فقد بدأت الروائية بتسليط الضوء على فنانين وأدباء ومناضلين وأقرباء، ومنهم من ذكر عدة مرات، ومن هنا فإننا سنستخلص أن هناك علاقة عضوية-موضوعية وإنسانية ما بين الكاتبة وبينهم، وبينهن.

ولعل العلاقة هنا تكون طردية، حسب عدد المرات، وبالتالي فإن من المقبول هنا القول إن الأكثر ذكرًا وورودًا هو الأكثر تأثيرًا عليها، وهو من يسكنها أكثر، وبالتالي من ناحية أخرى يكون له النصيب الأكبر في بناء النص: السرد عنه وعن قصته الخاصة هنا من جهة، وبناء صورة للساردة من جهة أخرى، هي مستويات وتاريخ الصداقة، وهذا أمر طبيعي، وهو الذي انعكس أصلًا في التواصل من خلال الفيسبوك.

أما الجنسيات فقد كان لسوريا النصيب الأكبر؛ بسبب موضوع الوجع السوري هنا بشكل خاص.

نزار بن المرجة الكاتب الذي يعاني الدمار، الذي لم تسلم مكتبته من التدمير، صاحب رواية البندقية والكمان، أما عبدالرحمن مهنا، فهو الرسام الذي كانت سيرته سيرة لون وخطوط وشعور، حيث تماهى مع قضيته، كأنبل ما يكون الفنان ملتزمًا، يربط خلاصه الفردي بالخلاص الجمعي، ولوحاته تعبير عن هذا الوعي والشعور.

بشكل مجمل، أدعي أن هناك قصصًا صغيرة غير مكتملة في ثنايا النص، جاءت بشكل انشطارات وشظيات، لتوحي شيئًا ما عن تلك الشخصيات لتوظفها إبداعيًا ضمن النسيج العام، وفيها نجد قصة الفنان حسان سلوم بفنه عن الحرب، وقصة الشهيد غسان، وعلياء التي هي من غزة، وتوقها للخلاص، وعبير القتال من يافا، ومي مسعد من حارة الفواخير.

كذلك يبدو أن الكاتبة قد تأثرت بقصة ميرابو وإيفا التراجيدية في الحب والوطنية للكاتب جبران عاقل.

لكن هذا بالطبع لا يقلل الرابطة التي ارتبطت بها الكاتبة مع باقي الشخوص حتى ولو كان المرور مرة واحدة، والسبب هنا يعود للتأكيد على دور الفرد-الذات في الانتصار لقضايا أمته.

محاولة للتفسير

والآن سنركز معًا على الاتجاه الآني في تفسير الإحصاء، وهو ما يتعلق بالشكل والمضمون بشكل عام:

“هذه بداياتي من هذا المساء لأن ارسم حروفي على الأوراق، وبداية لأن أفتح جهاز الحاسوب، من وقت وكأن كل ما حولي انداح إلى ركون يلوذ بالصمت..”صفحة 217.

عين هنا وعيون هناك، انتقال مدهش وساحر بين الأمكنة والأزمنة أيضًا: انتقال في الأمكنة في الزمان الواحد، وانتقال في الأزمنة في المكان الواحد.

هي قصة الكلمات والمشاعر، في هذا الانفعال السردي الجمالي والشعورية؛ فأي سحر هذا الذي جعل “تاج الياسمين” رواية كل واحد منا وكل واحدة؟ وأي سحر مضاعف الذي جعل رواية الذات روايتنا جميعا؟.

هو الانتماء إذن، هو الانشغال الشعوري الفكري، وطنيًا وقوميًا وإنسانيًا، الذي سكن الراوية، وخيّم على حراكها الأدبي؛ فالوجود المحدود للكاتبة في مكان معين، لم يمنع من إبحارها في هذا الوطن الكبير، عبر الكلمات، والرسائل المتبادلة مع العرب والعربيات، وعبر رحلتها الزمنية منذ طفولتها في فلسطين وتنقلها في داخل وطنها، وداخل وطنها الكبير، من سوريا إلى مصر، وعودة إلى مهد الطفولة.

إذن لعلها أولى الروايات العربية، وربما العالمية التي تنطلق من المحدود إلى اللامحدود، بالاستفادة من الفضاء الافتراضي، حيث أحضرت الأمكنة إليها، إضافة لاستدعائها الأزمنة أيضًا؛ فكان هذا السحر الشكلي المعبّر عن مضمون إنساني وذاتي.

هي على الحاسوب، معه وبه، من خلال صندوقها المعدني، تنطلق في صناديق معنوية أخرى، من المحيط إلى الخليج، لتناجي وتحاور، وتبثهم/ن مونولوجات أشبه بالقصائد. تطوف هذا العالم، خصوصًا في بلاد الشام ومصر، سوريا على وجه التحديد، لاتساع الجرح ربما.

من خلال التواصل عبر الهموم الفردية الوطنية القومية، والاهتمامات في التعبير الجمالي والأدبي، يمكن تخيّل الخيوط التي ربطت ليس حواسيب مرسلي الرسائل ومرسلاتها، بل بين العقول والمشاعر.

هو إذن توصيف الشكل وتفسيره؛ اختراق لمحدودية سجن المواطن العربي، الذي يتم برمجته بأن لا حول ولا قوة له للتغيير، بل القبول وإلإذعان للأمر الواقع.

تجلس الكاتبة لتتواصل مع الأصدقاء والصديقات، في ظل خلفية الوجع السوري العروبي تحديدًا، وفي ظل وجع فلسطين، الجرح القديم المتجدد، حيث تحضر المشاعر والأفكار والأدب واللوحات، كما تحضر القصص القصيرة لهؤلاء، حيث كأنها تقوم باستدعائهم إلى حيث تقيم في هذا الوطن الكبير، في مصر، وهي الفلسطينية، وهناك في ظل تداعيات الأمكنة، تقوم باستدعاء أزمنتها، فكأنها تعيد سرديتها الخاصة من دورا الخليل إلى دمشق فالقاهرة فعمان.

الحاسوب هنا مجاز، حيث تقوم صاحبته بقيادة بنية الرواية وتداعياتها، بسحرها، تقود بشكل غير مرئي، تربط ما بينها وبين نفسها في أزمنة وأمكنة أخرى، وبينها وبين هؤلاء، ضمن المصير الواحد، وعبر أسمى أشكال التعبير: الأدب والفن.

لأجل ذلك نقرأ ما كتبته الكاتبة في مستهل الرواية: “على جدارية الوقت، كتبنا حروفًا من خيوط الشمس نجدلها .. أنا في حلب..روحي في دمشق..قلبي في حمص…عيني على القدس..”

ليس هناك من تناقض بين المضمون القومي الإنساني، وبين التقنية المعاصرة، فما زال هناك إمكانية لتوظيف الشكل المعاصر للتعبير عن الهوية.

هل وجدت نفسها هكذا؟ هل اختارت شكلها؟. هي كما زعمت إرادة الانطلاق من سجن الذات، إلى الفضاء العام، حيث يقوى الأفراد-الأصدقاء والصديقات، لا يصيرون أسرة فحسب بل يصيرون أمة واحدة ذات رسالة خالدة.

المهم في سرديتها المتقطعة، هو ما ربطته من مصيرها بمصير شعبها وأمتها، حيث يصعب الفصل في التراجيديا العربية بين ذبح سوريا وذبح فلسطين.

فهل لأجل ذلك اقتبست كلمات نزار بني المرجة: “طوبى لوردة أهدت نفسها ليد مقاتل يحمي جذورها”؟.

لعل الاقتباس التالي يلخص إبداعيًا ما نزعم إليه من نزعة التماهي الشخصي والوطني والقومي العروبي، نقرأ في صفحة: 174 -175:

“ما زلت أنت صاحبة التنورة القصيرة، النظرة الخجلى، البسمة الحنونة، ما زلت أنت تاريخ الورد، فيىء دالية ترفل في بذخ المكان الحنون الساكن في ذاكرة الأرض وذاكرتنا، ما زلت أنت الصبية التي تداعب شمس الصباح البعيد وهي في دربها إلى المدرسة، تحمل ورودها في سلة روحها، تداعب نسمات هواء من روح وطن غادر البعيد وينتظرنا، صار هناك على حافة السنين وقد ركن لدهشة غيابنا الذي طال، ما زلت أنت الصبية التي تحدثها الشمس المتسللة في بواكيرها عن الآتي والحلم الذي ستكونينه وإن لم يتحقق”.

ثمة دلالات واضحة كيف يكون الوطن كمكان خاص أثر في حياة الذات، وكيف يمثّل الأمل والبقاء والمستقبل. وهنا يصبح الوطن مكونًا رئيسيًا وحميميًا في حياة الراوية، حتى الحب لا يكتمل إلا بالوطن، حتى وإن كان بعيدًا ومستلبًا.

أخيرًا، نستطيع أن نزعم هنا أن المضمون الأكثر نبلًا إنسانيًا وقوميًا، استدعى شكلًا إبداعيًا جديدًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع