نقاد: ”الحيوان المحتضر“ الأكثر كشفًا لسيرة الأديب الأمريكي الراحل فيليب روث 

نقاد: ”الحيوان المحتضر“ الأكثر كشفًا لسيرة الأديب الأمريكي الراحل فيليب روث 

المصدر: إبراهيم حاج عبدي - إرم نيوز

يجمع النقاد على أن رواية ”الحيوان المحتضر“ هي من أكثر روايات الأمريكي الراحل فيليب روث، كشفًا لسيرته الذاتية، واختزالًا لعصارة أفكاره وتأملاته وقناعاته.

رواية ”الحيوان المحتضر“، التي صدرت بترجمة مصطفى محمود، ضمن سلسلة الجوائز (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، قبل سنوات، تحفر عميقاً في النفس البشرية، وتروي قلق الروح، ورغبات الجسد، وتشرح الهواجس والانفعالات والمشاعر.

تستعيد الرواية الذكريات الغافية في حنايا الروح، وتُرجع صدى الأزمنة الماضية لتتداخل مع الحاضر في نص سردي خاص، تتقوض فيه الحواجز بين الشخصيات وتتماهى التفاصيل، وتتزاحم الأزمنة في حلقة دائرية تعيدنا دائمًا إلى صوت البطل دافيد كيبيش، الذي ينطق بلسان الكاتب، ويعبر عن هواجسه وأحلامه.

ولا يأبه فيليب روث كثيرًا، في هذا النص، لضرورات السرد القصصي بمقدار ما ينساق وراء الفكرة الملحّة، ولا يهتم بالقالب السردي بمقدار انهماكه في إيصال مضامين إشكالية، إنه نص يمتزج فيه الوهم بالحقيقة، ويتداخل عبره الأمل باليأس، وينطوي على الخيانة مثلما ينطوي على الوفاء.

ويصف النقاد الرواية بأنها ”فضاء من المتناقضات والمفارقات، أجاد روث ترتيبه عبر سلسلة من المغامرات والمحطات التي يرويها البطل كيبيش“.

واعتاد نقاد الأدب على عقد مقارنة بين سيرة الكاتب الأمريكي، الذي ولد سنة 1933 في نيويورك بولاية نيو جرسي، وبين سير أبطال رواياته، غير أن رواية ”الحيوان المحتضر“ غالبًا ما تكون حاضرة لدى عقد هذه المقارنة.

ومن المعروف أن فن الرواية يتيح مجالًا واسعًا  لمزج حكاية البطل مع حكاية المؤلف، ورغم أن الرواية لا يمكن أن تكون نسخة مطابقة لسيرة كاتبها، غير أنها توفر مجالًا رحبًا للاعتراف والمكاشفة والبوح، والتعبير عن الهموم والرغبات، وهذا ما يقوم به روث في هذه الرواية.

يستوحي روث في هذه الرواية من خبرته الواسعة في الحياة، بيد أنه لا يكتفي بالتجربة الحياتية فحسب، بل يضفي عليها لمسة أدبية من ناحية الشكل، كما أنه يذهب، من ناحية المضامين، إلى عتمة النفس البشرية محاولًا تسليط بعض الضوء على ألغازها وشيفراتها الملتبسة والغامضة.

هذا الجدال حول أدبه ومدى تطابقه مع محطات حياته الشخصية، اختزله روث في قوله إنه يكتب ”سيرة ذاتية مزيفة“، وهو بذلك أرضى النقاد. لكنه أراد أن يقول، كذلك، إن الرواية ليست تسجيلًا حرفيًا للحياة، بل هي تسجيل فني جمالي.

يعترف روث: ”لا بد أن يكون لدي شيء أفعله يرتبط بي، دونه سوف تكون الحياة جحيمًا. لا أستطيع أن أكون عاطلًا، ولا أعرف شيئًا أفعله غير الكتابة“، هذه الكتابة التي تقود خطاه وسط ألغام الإبداع، وهي التي تورطه في متاهات السرد دون أن يشغله السؤال عن شروط العمل الفني، ولا السؤال عمّا إذا كان هذا العمل هو مجرد توثيق لسيرته، أم تدوين لسير أشخاص آخرين.

ورغم كل ما يقال عن أدب روث المعقّد و“التغريبي“، والقريب من المنحى الفلسفي، إلا انه يعالج دائمًا مآزق الحياة ومشكلاتها، إذ يصغي إلى هموم أبطاله ويمنحهم الأمل، ويتفهم شكواهم ويروي معاناتهم.

هذا ما نلاحظه في رواية ”الحيوان المحتضر“، التي تسعى إلى قراءة أفكار دافيد كيبيش وحيرته وكيفية رؤيته للحياة، يطرح روث على لسان بطله، مواضيع حساسة عن الحياة والموت والصداقة والذكريات ورغبات الجسد، عن الأنانية والإيثار، وعن ثنائية الذات والآخر، ويناقش ضعف الإنسان ومكانته الهشة في عالم تتزايد فيه المشاعر العدائية.

بطل الرواية أكاديمي متقدم في العمر، مهموم في سؤاله الوجودي حول الحياة والموت والجنس والجسد وأطياف الماضي، التي تحضر بشكل مباغت لتضفي على اللحظة الراهنة معنى مجددًا.

إنها سيرة حافلة لرجل خبر الحياة طويلًا. رجل يتحدث عن علاقاته بالنساء اللاتي تركن أثرًا عميقًا في الروح، وعن أخريات تركن أثرًا عابرًا، يتحدث عن زواجه الفاشل، وكيف تخلص من زوجته بعد إنجاب طفل وحيد، وعن مغامرات عاطفية باحت له بأسرار الجسد وتضاريسه المبهمة.

يضع روث في مقدمة روايته هذه المقولة: ”الجسد يحوي الكثير من قصص الحياة تمامًا مثل العقل“، والواقع أن الكاتب يفي هذه المقولة حقها في متن الرواية، إذ يروي هموم الجسد المتعطش إلى الإرواء، يراقب نداءاته المكبوتة ورغباته الجامحة.

هذا الانشغال بتجليات الجسد لا يلغي تلك الرؤية الساخرة التي تغلف سطور الرواية، وذلك البعد الفلسفي العميق الذي يضع كل شيء أمام ضوء المحاكمة الذهنية الرصينة.

ثمة إحالات واقتباسات لشخصيات روائية وروائيين مشهورين، وثمة أسماء لفنانين وموسيقيين ورسامين معروفين، وأسماء لزعماء وقادة وسياسيين، وأسماء لأفلام ومسرحيات ومقطوعات موسيقية…، كل ذلك يتداخل ويجد حيزًا في مفكرة بطل الرواية المثقف، الذي يرى المواضيع من منظاره الخاص، هو دون شك، منظار روث نفسه، الذي كثيرًا ما تاه في الحجج الفلسفية والسرد النخبوي، لتبدو الوقائع بطيئة لصالح التنظير الفلسفي، لكن سرعان ما يلجأ إلى ظلال العواطف ولواعج الجسد.

هنا وهناك تتزاحم الأسئلة، مثلما يكبر الفضول بحثًا عن أجوبة شافية، لكن انتظار الجواب هو ترف لا يحتمله روث، فيبقى الهدف الأسمى هو فضيلة البحث والتقصي والكشف والتجريب والتخمين.

يشار إلى أن فيليب روث توفي أمس الثلاثاء، عن عمر ناهز 85 عامًا في مدينة نيويورك، وهو يعد أحد عمالقة الأدب الأمريكي المعاصر.

وألف روث أكثر من ثلاثين كتابًا، بينها مذكرات العام 1991، تحمل اسم ”باتريموني“، التي تناولت علاقته المعقدة بوالده، ونال عنها جائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية.

وفي سنواته الأخيرة، تحول روث إلى أزمات منتصف العمر الوجودية والجنسية، دون أن يتخلى عن التزامه باستعراض أسرار النفس.

وبعد نصف قرن من الكتابة، قرر روث أن روايته ”نيميسيز“ التي ألفها العام 2010 وتحكي قصة عن تفشي شلل الأطفال في حي نيوارك، الذي نشأ فيه بنيوجيرسي، ستكون الأخيرة له.

وفي 2017 نشر مجموعة مقالات وأعمال غير روائية كتبها بين 1960 و2013.

وأشهر أعمال روث روايته ”بورتنويز كمبلينت“ التي ألفها عام 1969. وكان أول ما نشره روث مجموعة قصص قصيرة، تحمل اسم ”جودباي كولومبوس“ وفاز عنها بجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية.

وفاز روث بجائزة بوليتزر، الرفيعة، عن رواية ”أميريكان باستورال“ العام 1997.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com