الروائي أحمد خالد توفيق.. رحل ”العراب“ إلى ”ما وراء الطبيعة“

الروائي أحمد خالد توفيق.. رحل ”العراب“ إلى ”ما وراء الطبيعة“

المصدر: إبراهيم حاج عبدي- إرم نيوز

تكمن قيمة الروائي المصري أحمد خالد توفيق، الذي رحل الإثنين، في كونه ارتاد آفاقًا مجهولة في الرواية العربية المعاصرة بتركيزه على الخيال العلمي والفانتازيا والرعب.

وأسهم في تعزيز هذه الرؤية الفريدة لدى توفيق، المولود سنة 1962، دراسته للطب، وتأثره بالأدب الغربي، حسب اعترافه، إذ نجح في توظيف هذه المعرفة العلمية الدقيقة في كتاباته التي شغفت بها شريحة واسعة من القراء.

ومن المعروف أن المكتبة العربية تفتقر إلى روايات التشويق والفانتازيا على عكس الأدب الغربي الذي يحفل بهذه النماذج، ومن هنا يسجل لتوفيق اهتمامه بهذا ”الحقل البكر“ في الثقافة العربية، فكانت الحصيلة مجموعة سلاسل قصصية مثل (ما وراء الطبيعة) و(فانتازيا) و(سافاري)، والعديد من الروايات منها (شآبيب) و(يوتوبيا) و(مثل إيكاروس) و(في ممر الفئران)…وسواها.

ونجح الكاتب عبر هذه الأعمال في المزج بين اللغة الأدبية السهلة البسيطة وبين الخيال العلمي الجامح والمعقد، محاولًا التنبؤ بالمستقبل وفق افتراضات تجمع بين التسلية الخفيفة والسخرية المرة والحكمة العميقة.

وأطلق عليه محبوه وقراؤه لقب ”العراب“، لكنه كان يرفض بتواضع قائلًا إن ”الهالة التي يضفيها قراؤه عليه تزعجه عندما يشعر أنه يتوقع منه ما هو أكبر من إمكاناته“.

ورأى بعض النقاد أن رواية الخيال العلمي أصابها اليتم برحيل توفيق، إذ يعود له الفضل في جسر الهوة بين القارئ وبين هذا النوع الروائي، غير الرائج على المستوى العربي.

وكان توفيق دائم الشكوى من الواقع العربي المتخلف، ويسعى عبر كتاباته إلى إظهار هذه الجوانب ”المظلمة“ محاولًا خلق حوافز للبحث والتقصي وارتياد المجهول.

ولم يكن الكاتب يخفي تشاؤمه إزاء هذا الواقع، لذلك كان يضع أسوأ الاحتمالات والفرضيات، معتبرًا أن ”التاريخ البديل“ تيمة محببة في الخيال العلمي، فماذا لو ربح أدولف هتلر الحرب، مثلًا ؟، وماذا لو خرجت اليابان منتصرة من الحرب العالمية الثانية ؟.

ومن وجهة نظر الكاتب فإن هذه الاحتمالات وغيرها، تعد اختبارًا للعقل، وهي إلى جانب كونها مسلية، فإنها تثير نوعًا من الفضول والتشويق.

ومع أن الكاتب الراحل يستمد فصول معظم حكاياته من بيئته المصرية المحلية، لكن ذلك لم يمنعه من مغامرة البحث عن ألغاز الكون، وإضفاء لمسة سحرية على المناخات التي يرسمها في أعماله التي بدت غريبة، للوهلة الأولى، عن الواقع العربي، لكنها سرعان ما جذبت القارئ بلغتها الرشيقة التي طوعت العلوم الباردة في مشغله السردي البسيط.

ويلاحظ النقاد أن الراحل سلط الضوء على مفهوم ”الديستوبيا“ أو أدب ”المدينة الفاسدة“ وهي نقيض اليوتوبيا (المدينة الفاضلة).

وانسجامًا مع هذه الرؤية احتل مفهوم ”البطل المهزوم“ حيزًا هامًا من نتاجه الأدبي، فمعظم شخصياته تفتقر إلى تلك السمات التقليدية التي تنسب لأبطال الأعمال الأدبية كالوسامة والقوة والشجاعة، أبطاله عكس ذلك هم من القاع حيث الخيبة والحيرة واليأس.

وكان توفيق كاتبًا مثيرًا للجدل ليس فقط في كتاباته الأدبية، بل في حواراته أيضًا، يقول: ”أنا أعتبر نفسي ـ بلا أي تواضع ـ شخصًا مملًا إلى حد يثير الغيظ.. بالتأكيد لم أشارك في اغتيال (لنكولن) ولم أضع خطة هزيمة المغول في (عين جالوت).. لا أحتفظ بجثة في القبو أحاول تحريكها بالقوى الذهنية ولم ألتهم طفلًا منذ زمن بعيد.. ولطالما تساءلت عن تلك المعجزة التي تجعل إنسانًا ما يشعر بالفخر أو الغرور.. ما الذي يعرفه هذا العبقري عن قوانين الميراث الشرعية؟، هل يمكنه أن يعيد دون خطأ واحد تجربة قطرة الزيت لميليكان؟ هل يمكنه أن يركب دائرة كهربية على التوازي؟، كم جزءًا يحفظ من القرآن؟ ما معلوماته عن قيادة الغواصات؟ هل يستطيع إعراب (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)؟، هل يمكنه أن يكسر ثمرة جوز هند بين ساعده وعضده؟، كم من الوقت يمكنه أن يظل تحت الماء؟، الخلاصة أننا محظوظون لأننا لم نمت خجلًا منذ زمن من فرط جهلنا وضعفنا“.

هذه الأسئلة والتأملات هي التي تحكمت في مسار تجربته الأدبية التي شغلت الأوساط النقدية التي بادرت إلى رثاء الراحل، ومنهم الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي رثاه في تعليق مكثف يختزل إرث الراحل: ”أحمد خالد توفيق لم يكن كاتب زومبي كما يقال، لكنه استطاع أن يرسخ لأدب الخيال العلمي بثقافة نادرة، ثقافته كانت رصينة وعميقة، وكان مثل الكاهن في محراب متصل بالكون وأعاجيب الكون“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة